الموقع الرسمي

كلمة شهر جمادى الآخرة

الشيخ إبراهيم الرحيلي

2018-07-17

عدد الزوار: 115

0 صوت

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، نحمده، ونستعينه ، ونثني عليه الخير كله،كما هو أهلٌ للثناء والحمد، ونصلي ونسلم على عبده ورسوله المبعوث من ربه رحمةً للخلق، وعلى آله وصحبه المهتدين بهدية، والمستنين بسنته إلى يوم الدين.
وبعد...
فهذه الكلمة الشهرية السادسة ؛بعد افتتاح الموقع، وهي خاصة بشهر جمادى الثانية، كما سرنا في سلسلة هذه الكلمات الشهرية، ومراعاة أن تكون خاصة بالشهر الذي نحن فيه.
أولاً: التعريف بالشهر:هو شهر جمادى الآخرة ، وهو الشهر السادس من الأشهر العربية .
واسمه مركب من كلمتين (جمادى)، و(الآخرة). 
وجمادى: مشتق من (جمد) وهو نقيض الذوب ،كما جاء في لسان العرب (3 /129).
وقال ابن فارس:"وجمادى مشتق من جمد ، ( جمد ) الجيم والميم والدال أصل واحد وهو جمود الشيء المائع من برد أو غيره .انظر:(معجم مقاييس اللغه (1 /477).وسمي بجمادى لجمود الماء فيه .
وقد تقدم في الكلمة السابقة أن جمادى يطلق على شهرين من أشهر السنة وهما جماديان سميا بذلك لجمود الماء عند تسمية الشهور .
وأما الآخرة فهي ضد الأولى ،وسمي هذا الشهر بجمادى الآخرة للتفريق بينه وبين جمادى الأولى ،وهو الشهر الذي قبله.
وجاء في لسان العرب:"و الجماديان : اسمان معرفة لشهرين ، إذا أضفت قلت : شهرجمادى وشهرا جمادى . وروي عن أبي الهيثم : جمادى ستة هي جمادى الآخرة ، وهي تمام ستة أشهر من أول السنة ورجب هو السابع" لسان العرب (3 /129).
ثانياً: الأعمال المشروعة فية:لم يثبت فيما أعلم أن هذا الشهر قد خص بعبادة دون غيره من الأشهر ،ولذا فهو شبيه الشهر الذي قبله في اسمه وفي بعض أحكامه ،وقد سبق التنبيه في التعريف بشهر جمادى الأولى،أنه لم يختص بعبادة لم تشرع في غيره من الشهور .
وأما العبادات المشروعة على سبيل العموم فتؤدى في هذا الشهر كما تؤدى في غيره من الشهور على ما سبق التنبيه على هذا في الكلمة السابقة .
ثالثاً: ما أحدث فيه من البدع:لم يذكر المختصون بالتصنيف في البدع أن هذا الشهر خص ببدعة فيه ،وهذا ما أفاده صاحب كتاب البدع الحولية،كما سبق النقل عنه في الكلمة السابقة ،وتصريحه بأنه لم يطلع على إحداث بدع في بعض الشهور ثم ذكر من هذه الشهور جمادى الآخرة.
ولا يفوت هنا أن ينبه على ما ذكر سابقاً في سياق الحديث عن شهر جمادى الأولى من أن المقصود بعدم إحداث بدع في هذا الشهر ،وفي الذي قبله ،أن المقصود بذلك إحداث بدع خاصة بهذين الشهرين ،تتكرر بوجودهما ،وهذا لا يعني سلامة الناس من البدع في أثناء هذين الشهرين كالبدع المحدثة في العبادات من الصلاة والذكر والدعاء ،والقراءة التي انتشرت في المجتمعات الإسلامية ؛بسبب الجهل بالسنة، وحقيقة المتابعة في تلك العبادات.
رابعاً: التذكير بآية الله في تعاقب الأشهر والأيام :ولعلي أذكّر في سياق الحديث عن هذا الشهر على ما يقتضيه المقام ،وهو تعاقب هذه الأيام بقول الله تعالى: ]إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب[.
فقد أخبر الله عز وجل عن حكمته في خلق السموات والأرض،وعظيم صنعه ،وإبداعه لهما على هذا النحو الذي لا خلل فيه ،ولا اضطراب .
ثم عطف على هذا خلقه لليل والنهار وما جعل بينهما من المباينة في كثير من الصور والأحوال ،فجعل الليل وقتاً للراحة والسبات ؛كما جعل النهار وقتاً للعمل وطلب المعاش ، ومحا آية الليل ،وجعل آية النهار مبصرة،كما قال تعالى: ]فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً[.
فبين سبحانه الحكمة من جعله الليل مظلماً ،والنهار مضيئاً،أن ذلك لتحقق مصالح العباد ،ومنها السكن ،والنوم في الليل ،وابتغاء المعاش والرزق في النهار،كما بين سبحانه الحكمة من تعاقب الليل والنهار ،وأن الله جعلهما علامةً على الزمان ؛فبهما يعرف الزمان، وانقضاء الأوقات ،كما أخبر في آية آل عمران أن في هذه الآيات العظيمة عظةً لأصحاب العقول النيرة، والفطر السليمة التي تستدل بهذه الآيات على خالقها، وعلى عظيم حكمته .
قال ابن كثير:" ومعنى الآية أنه يقول تعالى: ]إن في خلق السماوات والأرض[ أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتساعها وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت وبحار، وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار، وحيوان ومعادن ومنافع، مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص]واختلاف الليل والنهار[ أي: تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا، ويقصر الذي كان طويلا وكل ذلك تقدير العزيز الحكيم ؛ ولهذا قال: 
]لأولي الألباب[ أي: العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها"، تفسير ابن كثير (2 / 184).
فلله الحمد على نعمه العظيمة التي عم بها الخلق ،ثم خص أوليائه وعباده بشكرها فأتم عليهم بذلك النعمة، وجعلهم من المثنيين عليه بها ،والمتدبرين لعظيم حكمته في خلقه .
فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أولئك الموفقين لتدبر آياته ،والثناء عليه بها .

هذا والله تعالى أعلم.

 

 

شارك الرابط