الموقع الرسمي

كلمة شهر المحرم

أبو بكر

2020-08-24

عدد الزوار: 138

10 صوت

                                             الأخلاق الحسنة ومنزلتها في الإسلام  

الحمد لله والصلاة والسلام على  نبينا محمد وعلى آله وصحبه  ومن اهتدى بهديه واستنن بسنته .

وبعد .

فهذه الكلمة الشهرية لشهر الله المحرم من عام 1442 هـ وهي متعلقة بالأخلاق كتبتها تذكيرا لنفسي وإخواني طلبة العلم ؛ وذلك لأهمية الأخلاق في الإسلام ،ولما يترتب على امتثالها من  الرفعة والشرف في الدنيا ،وعظيم الأجر وجزيل الثواب في الآخرة . وهي بعنوان : (الأخلاق الحسنة ومنزلتها في الإسلام )

وتتضمن عدة وجوه :

أولا: تعريف الأخلاق :

الأخلاق في اللغة: جمع خُلُق: وهو السجية التي خلق الإنسان وطبع  عليها([1])وسمي خلقا لأنه يصير كالخلقة في الانسان ([2])

والتَخَلُّقِ: هو أن يتكلف الرجل ما ليس من أخلاقه .قال الجوهري :«فلان  َيتَخَلَّقُ بغير خُلُقه، أي يتكلَّفه  .قال الشاعر  : إنَّ التَخَلُّقَ يأتي دونَه الخُلُقْ »([3])

وفي معنى التخلق التَّطبُّع. ومنه قول الناس (الطَّبْع يغلب التَّطبُّع)([4])

والأخلاق في الشرع :هي ما جبلت عليه النفوس أو تخلقت به من الخلال سواء كانت حسنة أو سيئة([5])

ويشهد لهذا التعريف :  قول النبي ﷺ لأشج عبد القيس: «إن فيك خلتين يحبهما الله، الحلم والأناة» قال: يا رسول الله أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: «بل الله جبلك عليهما»([6])

 فعبر النبي ﷺ عن الأخلاق بالخلال .وفي جواب الأشج  ما يدل عن أن من الخلال ما يجبل عليها الإنسان ،ومنها ما يتخلق بها فيكتسبها ،ودل الحديث بمفهوم الموافقة على أن من الخلال ما تكون حسنة محبوبة لله، ودل بمفهوم المخالفة على أن بعض الخلال ما لا تكون كذلك فتكون سيئة مبغضة لله وهذا مضمون التعريف والله أعلم .

ثانيا :أقسام الأخلاق :

تنقسم الاخلاق  :إلى قسمين :

      أ-أخلاق (جبلّية ) :وهي ما يجبل عيه الإنسان من الأخلاق فيفعله جبلة وطبعا بلا تكلف.

     ب-أخلاق (مكتسبة )وهي ما اكتسبه الإنسان عن طريق التعلم أو المخالطة حتى أصبح خلقا له .

وقد دل عليهما حديث الأشج السابق وفيه قول الأشج («أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟» قال النبي ﷺ: «بل الله جبلك عليهما»

قال الإمام ابن القيم $:«فدل على أن من الخلق: ما هو طبيعة وجبلة، وما هو مكتسب»([7])

وقال الشيخ ابن عثيمين$ :«فهذا دليل على أن الأخلاق الحميدة الفاضلة تكون طبعاً وتكون تطبعا»([8])

ثالثا :الأمر بحسن الخلق ومشروعيته في الإسلام:

شرع الله لعبادة الأخلاق الحسنة في الدين ،وجعلها جزءا من الإيمان ،ورتب على امتثالها الثواب العظيم في الدنيا والآخرة . وقد دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة:

  1. قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [النحل: 90]

فقد أمر الله في هذه الآية  العظيمة بجوامع خصال البر، ومكارم الأخلاق ،ونهى عما يضادها من الفواحش والمنكرات.

قال ابن مسعود: «هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل، ولشر يجتنب»([9])

وعن قتادة أنه قال في معنى هذه الآية: «إنه ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها»([10])

وقال ابن عبدالبر $:«وقد قالت العلماء إن أجمع آية للبر والفضل ومكارم الأخلاق قوله عز وجل { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ }الآية «([11])

      2-قال تعالى مخاطبا نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]

قال جعفر الصادق: «أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية»([12])

وقال القرطبي $ :«هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات»([13])

قال شيخ الإسلام ابن تيمية $:«وهذه الآية فيها جماع الأخلاق الكريمة؛ فإن الإنسان مع الناس إما أن يفعلوا معه غير ما يحب أو ما يكره. فأمر أن يأخذ منهم ما يحب ما سمحوا به ولا يطالبهم بزيادة. وإذا فعلوا معه ما يكره أعرض عنهم وأما هو فيأمرهم بالمعروف«([14])

وقال ابن القيم :«وقد جمع الله له مكارم الأخلاق في قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199]»([15])

3-عن أبي ذر ﭬ أن النبي ﷺ قال له:« اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن »([16])

4- عن أنس ﭬ: أن رسول الله ﷺ لقي أبا ذر فقال:«يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال: بلى يا رسول الله قال: عليك بحسن الخلق وطول الصمت فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما»([17])

5-وعن  عبد الله بن عمرو بن العاص أن معاذ بن جبل أراد سفرا فقال يا نبي الله أوصني قال «اعبد الله لا تشرك به شيئا قال يا نبي الله زدني قال إذا أسأت فأحسن قال يا رسول الله زدني قال استقم وليحسن خلقك»([18])

رابعا :منزلة حسن الخلق وفضله في الدين:

لحسن الخلق في هذ الدين ، منزلة عظيمة ،ومكانة رفيعة، وفضائل عديدة. وقد دلت النصوص على ذلك من وجوه كثيرة ومتنوعة .

ومن ذلك :

1-أن الله أثنى على نبيه بالخلق العظيم .قال تعالى :{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم:4]

وسئلت عائشة ڤ عن خلق النبي ﷺ فقالت: « خلق نبي الله ﷺ كان القرآن»([19])

وقيل :«سمي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، يدل عليه قوله عليه السلام: (إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق)([20])»([21])

وهذه الآية كما احتج بها لفضل النبي ﷺ بالخلق العظيم ،فإنها حجة لفضل الأخلاق بإضافتها للنبي ﷺ ؛فالنبي ﷺ ممدوح بحسن الخلق، والأخلاق تمدح باتصافه بها ؛ولهذا إذا قيل هذا من خلق النبي ﷺ عرف الناس أن هذا الخلق حسن ممدوح ، وهذا هو شاهد مسألتنا وهو بيان منزلة حسن الخلق.

2 – أن النبي ﷺ بعث ليتمم صالح الأخلاق فعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»([22]) وفي رواية : «مكارم الأخلاق»([23])

3-أن أكمل المؤمنين إيمانا هم  أحسنهم أخلاقا فعن أبي هريرة ﭬ، أن النبي ﷺ:

قال : " أكمل المؤمنين إيمانا، أحسنهم خلقا ([24])

4- أن أحب العباد إلى الله أحسنهم أخلاقا : فعن أسامة بن شريك ﭬ قال: قال رسول الله ﷺ: «أحب الناس إلى الله أحسنهم خلقا» ([25])

5- أن أحب الناس  لرسول الله ﷺ وأقربهم منه منزلا أحاسنهم أخلاقا فعن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا  »([26])

6- أنه بحسن الخلق يدرك الرجل درجة العابد المداوم على الصيام والقيام فعن عائشة ڤ عن النبي ﷺ قال: " إن الرجل ليدرك بحسن خلقه، درجة الصائم القائم  ([27])

7- أنه لم يعمل الخلائق عملا أعظم من حسن الخلق -على ما تقدم في حديث أنس السابق في الحث على حسن الخلق -وفيه : أن رسول الله ﷺ لقي أبا ذر فقال له :« عليك بحسن الخلق وطول الصمت فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما»([28])

8- أن أكثر ما يدخل به الناس الجنة من الأعمال الصالحة حسن الخلق فعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: «تقوى الله وحسن الخلق»([29])

9- أن منزلة صاحب حسن الخلق في أعلى الجنة قال ﷺ: عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»  ([30])

10- أنه بحسن الخلق  يزاد  في الأعمار وتُعَمِّر الديار: فعن عائشة ڤ: أن النبي ﷺ قال: " إنه من أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار»([31])

هذا والله أعلم . وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم

                                                                                                                                    

                                                                                                                          كتبه/ إبراهيم بن عامر الرحيلي

                                                                                                                          المدينة النبوية   2/1/ 1442هـ

 

 

 


([1])انظر مقاييس اللغة لابن فارس (2/ 214) والصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (4/ 1471)

([2]) انظرتفسير القرطبي (18/ 227)

([3])الصحاح (4/ 1471)

([4]) انظر شمس العلوم للحميري  (3/ 1911)

([5])عرف بعض العلماء الأخلاق بتعريفات قريبة -من حيث المعنى -من هذا التعريف.فقال شيخ الإسلام ابن تيمية :« الخلق ما صار عادة للنفس وسجية» مجموع الفتاوى (10/ 127) وعرفها إبن عاشور بأنها :«السجية المتمكنة في النفس باعثة على عمل يناسبها من خير أو شر» التحرير والتنوير (19/ 171) وكذا جاء تعريفها في موسوعة (نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم )(1/ 60) والتعريف الذي ذكرته مستمد   من حديث الأشج  -كما بينته أعلاه -و التعبير بالالفاظ الشريعة عن الحقائق الشرعية أولى من غيرها كما هو مقررعند أهل العلم .

 

([6])أخرجه  أبو داود (4/ 357)ح(5225) والترمذي (4/ 366)ح(2011)

وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (5225)

([7])مدارج السالكين (2/ 300)

([8])مكارم الأخلاق لابن عثيمين (ص: 13)

([9])تفسير القرطبي (10/ 165)

([10])تفسير الطبري (14/ 337)

([11])التمهيد (24/ 334)

([12])تفسير القرطبي (7/ 345)

([13])تفسير القرطبي (7/ 344)

([14])مجموع الفتاوى (30/-370-371)

([15])مدارج السالكين (2/ 289)

([16]) أخرجه أحمد في المسند  (35/ 284)ح(21354)  والترمذي في سننه  (3/ 423) ح(1987) وقال :«حديث حسن صحيح »والدارمي في سننه (3/ 1837)ح(2833) وحسنه الألباني صحيح الجامع (1/ 81)ح(97) وقال محققو المسند:« حسن لغيره»

([17]) أخرجه البزار في مسنده (13/ 359)ح(7001) وأبو يعلى في مسنده  (6/ 53)

3298 والبيهقي في شعب الإيمان (7/ 20)ح(4591) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2/ 48) ح(4048)

([18])أخرجه ابن حبان في صحيحه (2/ 283)ح(524)والخرائطي في  مكارم الأخلاق (ص: 28)ح(6) والطبراني في الأوسط (8/ 318)ح(8747)وحسنه الألباني في  صحيح الترغيب والترهيب (3/ 225)ح(24)

([19])أخرجه مسلم (1/ 513) ح(746)

([20])أخرجه البزار في مسنده  (15/ 364)ح(8949)والشهاب في مسنده  (2/ 192)ح(1165)

وقال ابن عبد البر :«وهذا حديث مدني صحيح» التمهيد(24/ 334)

([21])تفسير القرطبي (18/ 227)

([22])أخرجه أحمد في المسند (14/ 512)ح(8952) والبخاري في الأدب المفرد (ص: 143)ح(273)

وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 546)ح(1300)1300 وقال محققو المسند :«صحيح، وهذا إسناد قوي»

([23])تقدم تخريجه .

([24]) أخرجه أحمد في المسند (16/ 478)ح(10817)وأبو داود في سننه  (4/ 220) ح(4682) والحاكم في المستدرك (1/ 43)ح(1) قال الذهبي في التلخيص : «لم يتكلم عليه المؤلف وهو صحيح»

وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 266)ح(1230)وقال محققو المسند «حديث صحيح»

([25]) أخرجه ابن حبان في صحيحه (2/ 236)ح(486)والطبراني  في الكبير (1/ 181)ح(471)

وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3/ 10)ح(2650)

([26]) أخرجه الترمذي  (4/ 370)ح(2018) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3/ 10) ح(2649)

([27]) أخرجه أحمد في المسند  (42/ 346)ح(25537) وأبو داود في سننه  (4/ 252)

ح(4798) والحاكم في المستدرك  (1/ 128) ح(199)وقال :«هذا حديث على شرط الشيخين، ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3/ 8)ح(2643)

([28]) تقدم تخريجه

([29])أخرجه الترمذي (4/ 363)ح (2004) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/ 318)

 (1723)

 

([30])أخرجه أبو داود (4/ 253) ح(4800) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1/ 306) ح(651)

([31])أخرجه أحمد في المسند  (42/ 153)ح(25259) وقال محققوه :«إسناده صحيح» وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/ 668)ح(2524)

 

شارك الرابط