WOWSlider ترجمة الشيخ

كلمة الشهرية لشهر رمضان لعام 1438هـ / حقيقة المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم ومراتبها

عرض المادة
كلمة الشهرية لشهر رمضان لعام 1438هـ / حقيقة المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم ومراتبها
89 زائر
28-05-2017

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمد ا كثيرا طيبا مباركا فيه على آلائه العظيمة ومننه العميمة وصلى الله وسلم على نبيه ورسوله محمد النعمة المسداه والرحمة المهداة.

وبعد فهذه الكلمة الشهرية لشهر رمضان لعام 1438هـ

وهي بعنوان(حقيقة المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم ومراتبها )

حقيقة المتابعة في العمل: هي امتثال هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وتأديته على الوجه المشروع الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم .

وقد عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: » أن يُفْعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل «([1])

وهذا يعني أن المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في عمل لابد أن يتحقق فيها أمران:

الأول: الموافقة للنبي صلى الله عليه وسلم في الفعل بأن يكون مثل فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

الثاني: الموافقة له صلى الله عليه وسلم في القصد بأن يكون على وجه التعبد، ويخرج من هذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على غير وجه التعبد وإنما بحكم العادة فمن فعل ذلك على وجه التعبد، لم يكن متابعاً للنبي صلى الله عليه وسلم فيه، وكذلك العكس، وهو أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم الفعل بنية التعبد، فيصدر مثل هذا الفعل من شخص، لكن بغير نية التعبد، كمن توضأ بنية التنظف فليس في هذا العمل متابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في المقصد، ولهذا لا تقبل العبادات إلا بنية التعبد.

ومقصود البحث هنا بيان أثر المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في المفاضلة بين الأعمال،

ويمكن تقسيم المتابعة باعتبار تأثيرها في العمل ومضاعفة ثوابه إلى قسمين: متابعة خاصة، ومتابعة عامة.

أما المتابعة الخاصة: فهي المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في عمل مخصوص وهو على درجتين.

الدرجة الأولى: متابعة واجبة

وهي المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في أصل مشروعية العمل،

وتحقق شروطه، وأركانه، وواجباته التي لا يصح إلا بها،

وهذا القسم مؤثر في أصل قبول العمل فإن تحققت فيه المتابعة وإلا رُدَّ، كمن تقرب إلى الله بما لم يشرعه أصلاً، أو يكون مشروعاً: كالصلاة، أو الصيام، أو الحج، لكن يخل العامل ببعض شروط صحته، أو أركانه، أو واجباته، فهذا العمل مردود من أصله غير مقبول عند الله لفقده المتابعة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم .

وعلى هذا دل قول النبي صلى الله عليه وسلم على ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: » من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد «.([2])

وفي رواية لمسلم: » من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد «.([3])

الدرجة الثانية: متابعة في كمال العمل وهي المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في هديه الكامل في هذا العمل، والاجتهاد في الإتيان به على أكمل ما يكون، من غير نقص فيه بوجه من الوجوه، ويتطلب هذا تحقيق عدة جوانب في العمل:

الجانب الأول: الإتيان بالسنن والمستحبات التي تصحب العمل، فإنه ما من عمل من الأعمال الصالحة، إلا وقد شرع فيه من السنن والمستحبات ما يزكو به ويفضل وذلك كالإسباغ في الوضوء، والغسلة الثانية، والثالثة، وتخليل الأصابع، واللحية، والأذكار المشروعة بعده، وكدعاء الاستفتاح في الصلاة، والزيادة على مرة في تسبيح الركوع والسجود، ورفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، وفي مواطن الرفع، وكالأدعية والأذكار المسنونة في الصلاةوكالتلبية في الحج، والمبيت بمنى ليلة التاسع، وكاستلام الحجر الأسود وتقبيله، واستلام الركن اليماني في الطواف، والطهارة في السعي والدعاء فيه(وغير ذلك من السنن في العبادات وهي كثيرة ويطول التفصيل فيها.

وقد دل على ذلك كثير من الأدلة

1- حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه: » أنه دعا بإناء فافرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال صلى الله عليه وسلم: »من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه «.([4])

2- ما أخرجه البخاري من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم » لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى «. ([5])

والجانب الثاني: تنزيه العمل من الذنوب والمعاصي.

فالأعمال الصالحة يعظم أجرها بتنزيهها من الذنوب التي تنقص من أجرها إذا ما خالطتها

وقد دلت على ذلك الأدلة.

1-قال تعالى: }الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ + قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ + يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ{.([6])

فدلت هذه الآيات من سورة البقرة على تأثير الذنوب إذا صاحبت العمل في النقص من ثوابه، وأجره عند الله.

2- من السنة حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال » من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه «([7])

فدل الحديث على انتقاص أجر الصوم بقول الزور والعمل به، بل ظاهر الحديث يدل على بطلانه به

قال المهلب: » فيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك فقد تنقص صيامه، وتعرض لسخط ربه، وتَرْكِ قبوله منه «.([8])

وقال ابن حجر: » واستدل به على أن هذه الأفعال تنقص الصوم « ([9])

ونقل عن السبكي أن » مقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلامة عنها، فإذا لم يسلم عنها نقص «.([10])

فتقرر بهذا أثر تنزه الأعمال الصالحة، من مخالطة الذنوب والمعاصي في كمال أجرها، وزيادة فضلها عند الله، وانتقاص ذلك بوجودها، كما دلت على ذلك النصوص وتقريرات أهل العلم.

إذا ثبت هذا فهل تبطل المعاصي أجر العمل إذا خالطته، أم تنقص من ثوابه فقط.

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية اختلاف العلماء في ذلك على قولين: فمن قائل بالإبطال، ومن قائل بعدمه.

وذكر في موضع آخر أن القول بالإبطال هو قول الأكثر من أهل السنة:

قال: » الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات، ولكن قد تحبط ما يقابلها عند أكثر أهل السنة «..([11])

وحكى ابن القيم الإجماع على هذا القول في معرض حديثه عن التوبة قال: » فإذا استقرت قاعدة الشريعة، أن من السيئات ما يحبط الحسنات بالإجماع، ومنها ما يحبطها بالنص، جاز أن تحبط سيئة المعاودة حسنة التوبة «.([12])

الجانب الثالث: إيقاع العبادات في أفضل أوقاتها.

فقد جاءت الشريعة بتحديد أوقات كثير من العبادات، وهذه الأوقات إما أوقات وجوب لا تصح العبادة إلا فيها، وإما أوقات فضيلة تشرف العبادة فيها على ما أُدى في غيرها من الأوقات.

والحديث هنا هو عن أوقات الفضيلة التي يشرف بها العمل ويكمل، دون أوقات الوجوب، فالحديث عنها متعلق بالدرجة الأولى، من درجات المتابعة الخاصة وهي المتابعة الواجبة، فإن تأدية العمل في وقته الواجب واجب مندرج تحت تلك المرتبة لا ما نحن بصدده هنا، من عرض جوانب المتابعة المستحبة الكاملة.

إذا تقرر هذا فينبغي أن يعلم أن الأوقات الفاضلة للأعمال في الشرع على قسمين بحسب انقسام الأعمال إلى فرائض ونوافل:

فالقسم الأول: أوقات فضيلة للفرائض:

وهي الأوقات الفاضلة لتأدية الفرائض، كالأوقات الفاضلة لتأدية الصلوات الخمس، وهي أوائل الأوقات من أوقات الصلوات، إلا العشاء فتأخيرها أفضل، وكذا الظهر في شدة الحر فيستحب تأخيرها والإبراد بها، كما هو ثابت في السنة.

وكالوقت الفاضل للإمساك والفطر في الصوم، وهو تأخير الإمساك وتعجيل الفطر، إلى غير ذلك من الأوقات الفاضلة لأداء الواجبات، مما هو مفصل في الفقه، فتأدية الواجبات في أوقاتها الفاضلة أكمل من تأديتها في غيرها، وبذلك يعظم أجرها وثوابها عند الله،

القسم الثاني: أوقات فضيلة للنوافل.

ومبنى هذا القسم أن نوافل العبادات أجناس متعددة، كالصلاة، والصوم، والصدقة، والقراءة، والذكر، والدعاء، إلى غير ذلك من أنواع النوافل، ولكل جنس من هذه الأجناس وقت فضيلة يفضل فيه هذا العمل على غيره من الأعمال.

وبيان هذا على وجه التفصيل أن نوافل العبادات بحسب ما تؤدى فيه من الأوقات على نوعين:

النوع الأول: ما كان مقيداً بوقت مخصوص، أو حال مخصوصة.

ومن ذلك: قيام الليل، وصلاة الوتر، فهما مقيدان بما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر على المشهور

والسنن الراتبة التي تؤدى قبل الصلوات أو بعدها مقيدة بأوقاتها المخصوصة.

وصلاة الضحى مقيدة بوقتها، وهو من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال

وأذكار الصباح والمساء مقيدة بوقتي الصباح والمساء، منها ما هو مقيد بطلوع الشمس وغروبها، ومنها ما هو مقيد بعدم انصرافه وثني قدميه من صلاة الصبح والمغرب، وما عدا ذلك من النوافل المقيدة بأوقات مخصوصة.

وكذلك ما كان مقيداً بحال مخصوصة كأذكار النوم، والأكل والشرب، وأذكار اللباس، والخلاء، ودخول المنزل والمسجد والخروج منهما، وأذكار الوضوء ومتابعة المؤذن، وأذكار ركوب الدابة، وأذكار السفر، وتشميت العاطس، والسلام على المسلمين والرد عليهم، إلى غير ذلك من الأذكار المخصوصة مما هو مبسوط في كتب الأذكار.

النوع الثاني: ما ورد الترغيب في أدائه في بعض الأوقات على سبيل الاستحباب، ويدخل في هذا بعض الأعمال الصالحة التي جاءت النصوص بالترغيب فيها في بعض الأوقات، وإن كانت مشروعة في غير تلك الأوقات، لكن أداءها في الأوقات المرغب فيها أفضل.

ومن ذلك الصلاة المطلقة فهي في الليل أفضل منها في النهار، لقوله تعالى: }إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً{ ([13])

قال الضحاك في قوله: }أَشَدُّ وَطْئاً{: » قراءة القرآن بالليل أثبت منه بالنهار وأشد مواطأة بالليل منه بالنهار «.([14])

ومما يدخل في هذا الباب الاستغفار في السحر، قال تعالى: }وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{([15])،، وقال تعالى: }وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار{.([16])

قال ابن كثير رحمه الله » دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار. وقد قيل: إن يعقوب عليه السلام لما قال لبنيه: }سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي { ([17]) ( أنه أخرهم إلى وقت السحر «.([18])

ومنه الذكر طرفي النهار قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً{([19])

وقال عز وجل: }وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ{ ([20]) ( وقال جلا وعلا: }وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا{ ([21])والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وهذه الأعمال المذكورة وأوقاتها المرغب فيها ليست على باب واحد بل تتنزل على عدة صور:

الصورة الأولى: أن لا يتعارض العمل المرغب فيه، ولا يضيق وقته الفاضل عن عمل آخر:

مثل الصيام فإنه لا يتعارض مع عمل آخر من صلاة، وقراءة، وذكر، وغيرها من أعمال البر، ولا يضيق وقته وهو مدة النهار، عن الجمع بين تلك الأعمال. ومثل العمرة في رمضان، فإنه يمكن الجمع بين تأديتها وبين أعمال البر الأخرى من قراءة وذكر وأمر بمعروف ونهي عن منكر، كما أن وقتها الفاضل وهو طوال شهر رمضان لا يضيق عن التقرب إلى الله بغيرها من أعمال البر.

وفي مثل هذه الصورة لا شك أن الجمع بين هذه الأعمال أفضل من الاقتصار على العمل الفاضل في هذا الوقت، بل جاء الترغيب في ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم:

وهذا في حق من استطاع الجمع بين هذه الأعمال، أما من عجز عن ذلك ولم يقدر إلا على بعضها أو أحدها، فحكمه حكم من تعارض عنده العملان، على ما سيأتي بيانه في الصورة الثانية:

الصورة الثانية: أن يتعارض العمل المرغب فيه، ويضيق وقته عن عمل آخر،

مثل الذكر طرفي النهار، وعلى وجه الخصوص ما رُغب فيه قبل الشروق والغروب، فإن الذكر يتعارض مع أعمال اللسان الأخرى كقراءة، ودعاء، وتعليم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر باللسان، كما أن الانشغال بغيره من أعمال الجوارح، من اتباع جنازة، وعيادة مريض، وقضاء حوائج المسلمين مظنة النقص من كماله لانشغال القلب بغيره، وإن كان اللسان ذاكراً.

وكذا الدعاء في ساعة الجمعة، خصوصاً عند من يرى أنها ما بين جلوس الإمام على المنبر حتى ينصرف، فالقول فيها وفي وقتها، كالقول في الذكر ووقته بل إن وقتها أضيق كما لا يخفى.

ففي مثل هذه الصورة لابد من الترجيح بين الأعمال، والاشتغال بما هو أفضل. ثم ينظر هل يقدم العمل المرغب فيه في هذا الوقت، كالذكر، والدعاء، أم يقدم الأفضل باعتبار الجنس كالقراءة مثلاً؟.

والذي يظهر أن الاشتغال بوظائف الأوقات مقدم على غيره، وإن كان الغير أفضل باعتبار الجنس.

الصورة الثالثة: أن يتعارض العمل المرغب فيه مع عمل آخر، ولا يضيق وقته الفاضل عن غيره، مثل الصلاة فإنها تتعارض مع غيرها من الأعمال، فلا يمكن الجمع بينها وبين عمل آخر في وقت واحد، وإن كان الوقت الفاضل لأدائها، وهو الليل لا يضيق عن غيرها، بل يبقى متسع من الوقت في التقرب إلى الله بغيرها من قراءة، وذكر، واستغفار، وتعلم، وتعليم، وقضاء حوائج المسلمين.

وهذه الصورة تأخذ حكم الصورة الأولى، في أن الأفضل هو الاشتغال بما أمكن من أعمال الطاعات مع تأدية العمل المفضل في هذا الوقت، ما دام الجمع ممكناً.

وبهذا العرض المفصل يظهر فضل إيقاع العبادات في أوقاتها الفاضلة، على ما تم أداؤه في غيرها من الأوقات الأخرى، وبمراعاة هذا الجانب مع الجانبين السابقين وهما: المحافظة على السنن والمستحبات المشروعة في العمل، وتنزيه العمل في العبادات من الذنوب والمعاصي تتحقق المتابعة في كمال العمل.

ومن خلال هذا كله تتبين حقيقة المتابعة الخاصة بدرجتيها:

- درجة المتابعة الواجبة المؤثر في قبول العمل.

- ودرجة المتابعة الكاملة المستحبة المؤثرة في كمال العمل وفضله.

على ما تم عرضه وبيانه من خلال النصوص وكلام أهل العلم في ذلك.

وأما المتابعة العامة:

فهي المتابعة الكاملة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم العام في كل أحواله، وبابها واسع جداً يصعب في هذا المقام حصره، وحقيقتها امتثال الشرع كله، ولا سبيل لتحقيقها إلا بكمال الفقه في الدين، وقوة العزيمة على العمل، مع توفيق الله للعبد وإعانته، فأقول مستعيناً بالله إن مدار هذه الدرجة على عدة أصول:

الأصل الأول: المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في الشمول في العبادة، بحيث لا يشتغل بنوع دون آخر، بل يجمع بين كل أنواع العبادات، ويضرب بسهم مع كل طائفة من أصحاب الطاعات.

وجماع ذلك التقرب إلى الله تعالى بكل شعب الإيمان القلبية، والعملية، والقولية، وهي بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة.

والأصل الثاني: المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في المداومة على العمل قدر الطاقة.

فعن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: كيف كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وهل كان يخص شيئاً من الأيام؟ قالت: » كان عمله ديمة. وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع «. ([22])

وعنها رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: » أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل «([23])

الأصل الثالث: المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في العمل على وجه السداد والاقتصاد والتيسير واجتناب ما كان منه على وجه التكلف، والاجتهاد والتعسير.

جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: » جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني «. ([24])

فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الرغبة عن سنته، في الاقتصاد في العبادة، وبيَّن أن هديه في التعبد أكمل وأفضل من سلوك طريق الرهبنة والتشدد.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: » وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم الحنيفية السمحة، فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس وتكثير النسل «. ([25])

وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: » إن الدين يسر ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة «.([26])

والنصوص في هذا الأصل، وأقوال العلماء في تقريره كثيرة، وسيأتي عرضها مفصلة في فصل مستقل إن شاء الله.

الأصل الرابع: المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم في الموازنة بين الحقوق بحيث لا يشتغل بحق على حساب آخر، بل يقوم بتأدية الحقوق كلها، وإعطاء كل ذي حق حقه.

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: » إن لجسدك عليك حقاً وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوركعليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاً «.([27])

وقال سلمان لأبي الدرداء رضي الله عنهما » إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه «. قال النبي صلى الله عليه وسلم » صدق سلمان «.([28])

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مع عظم قيامه بحق ربه، وانشغاله بأعباء الرسالة لم يشغله ذلك عن تأديته لحقوق الخلق ومجاملتهم وحسن صحبتهم.

قال جرير بن عبد الله: » ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم «. ([29])

وعن عائشة رضي الله عنها: » ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعاه أحد من أصحابه، ولا أهل بيته إلا قال: لبيك «.([30])

وجاء في وصفه: » وكان يمازح أصحابه، ويخالطهم، ويحادثهم، ويداعب صبيانهم، ويُجْلِسُهم في حجره، ويجيب دعوة الحر والعبد، والأمة، والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر «.([31])

فهذه بعض الأوجه التي تحصل بها المتابعة العامة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ولست أزعم حصرها في هذه الأوجه وإنما هذه إشارة لأبرز ملامحها. وماذكرته في هذه العجالة مختصرمن الفصل الرابع من كتابي (تجريد الأتباع ) والذي كان بعنوان (تفاضل الأعمال باعتبار حسن المتابعة فيها )

والمرجع في تفاصيل جزئيات هذه الدرجة العالية، للأئمة الراسخين والعلماء المحققين الذي سبروا سنة النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأبواب وضبطوا هديه في كل الأحوال، وامتثلوا ذلك في الأقوال والأعمال، فاجتمع لهم في الحديث عنها رسوخ القدم في العلم بها، وطول التجربة في ممارستها.



([1])مجموع الفتاوى 1/280

([2])صحيح البخاري مع الفتح 5/301 ح (2697) وصحيح مسلم 3/1343 ح (1718).

([3])صحيح مسلم 3/1344.

([4])أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (1/259)، ح (159)، وأخرجه مسلم في صحيحه (1/204) ح (226).

([5]) صحيح البخاري مع الفتح 2/370 ح 883.

([6]) سورة البقرة الآيات من 262-264.

([7]) صحيح البخاري مع الفتح 4/116 ح (1903).

([8]) شرح صحيح البخاري لابن بطال 4/23.

([9]) فتح الباري 4/117.

([10]) المصدر نفسه 4/117.

([11]) نقلا عن ابن مفلح في الآداب الشرعية 1/124.

([12]) مدارج السالكين 1/278.

([13]) المزمل الآية (9).

([14]) تفسير الطبري 12/284.

([15]) الذريات: (18).

([16]) آل عمران من الآية (17).

([17]) يوسف من الآية (98).

([18]) تفسير ابن كثير (2/23).

([19]) الأحزاب الآية (41-42).

([20]) غافر الآية (55).

([21]) طـه الآية (130).

([22]) أخرجه مسلم في صحيحه 1/541 ح (783).

([23]) أخرجه مسلم في صحيحه 1/541.

([24]) صحيح البخاري مع الفتح 9/104 ح (5063) وصحيح مسلم 2/1020 ح (1401).

([25]) فتح الباري 9/105.

([26]) صحيح البخاري الفتح 1/93 ح (39).

([27]) صحيح البخاري مع الفتح 10/531 ح (6134) وصحيح ومسلم 2/813.

([28]) أخرجه البخاري في صحيحه، الصحيح مع الفتح 10/534 ح (6139).

([29]) ذكره القاضي عياض في الشفاء 1/157.

([30]) الشفاء للقاضي عياض 1/157.

([31]) المصدر نفسه.

r.
   طباعة 
0 صوت
عدد الزوار
انت الزائر :119628
[يتصفح الموقع حالياً [ 12
الاعضاء :0الزوار :12
تفاصيل الزوار
تغريدات الشيخ
احصائيات الموقع
جميع المواد : 1276
عدد المحاضرات : 1119
عدد المقالات : 0
عدد الكتب : 19
عدد التعليقات : 0
عدد المشاركات : 0
موايت الصلاة