WOWSlider ترجمة الشيخ

الكلمة الشهرية لشهر رجب لعام 1438هـ / النصيحة للمسلمين

عرض المادة
الكلمة الشهرية لشهر رجب لعام 1438هـ / النصيحة للمسلمين
252 زائر
05-04-2017

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فهذه الكلمة الشهرية لشهر رجب لعام (1438هـ) وهي بعنوان: ((النصيحة للمسلمين)) أسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وأن ينفع بها عامة المسلمين.

والنصيحة للمسلمين من أعظم خصال الإيمان، ومن أظهر سمات ذوي الفضل والإحسان، وهي دليل الصدق، وبرهان المحبة، وعنوان المودة، وعلامة التوفيق، وحقيقة الدين.

ولهذا اتصف بها الأنبياء والرسل؛ قال تعالى مخبرًا عن نوح في خطابه لقومه: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: ٦٢] .

وقال تعالى عن هود: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ)[الأعراف: ٦٨] .

وقال تعالى عن صالح: (فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: ٧٩] .

ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يبايعون النبي ﷺ على بذلها للمسلمين.

كما في حديث جرير بن عبد الله، قال: «بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم»([1]) .

وعن المغيرة بن شعبة قال: «إني أتيت النبي ﷺ قلت أبايعك على الإسلام، فشرط علي ((والنصح لكل مسلم))، فبايعته على هذا»([2]).

ولعظم مكانة النصيحة في الدين فسَّر النبي ﷺ الدين بها لشمولها له، قال ﷺ: «الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»([3]).

وفي مقابل ذلك يقول النبي ﷺ في الغش المنافي للنصح: «من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا»([4]).

وبالنصح سبق السابقون من كبار الصحابة والسلف:

قال أبوبكر المزني: «ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره».

قال بعض العلماء المتقدمين: الذي وقر في صدره هو حب الله والنصيحة لخلقه»([5]).

وكان الفضيل بن عياض يقول: «لم يدرك عندنا من أدرك بكثرة صيام ولا صلاة، إنما أدرك بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة» ([6]).

وقال بعض أصحاب النبي ﷺ:« والذي نفسي بيده إن شئتم لأقسمن لكم بالله أن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويسعون في الأرض بالنصيحة»([7]).

وقال سفيان بن عيينة: «عليك بالنصح لله في خلقه، فلن تلقاه بعمل أفضل منه»([8]).

وقال الحسن البصريّ: «ما زال لله تعالى نصحاء، ينصحون لله في عباده، وينصحون لعباد الله في حقّ الله، ويعملون لله تعالى في الأرض بالنّصيحة، أولئك خلفاء الله في الأرض»([9]).

وقال النّوويّ: «قالوا مدار الدّين على أربعة أحاديث، وأنا أقول بل مداره على حديث (الدّين النّصيحة)»([10]) .

والنصح للمسلمين يكون بحب الخير لهم، والحرص على ما فيه نفعهم في الدين والدنيا، وبذل الأسباب في تحصيل ذلك، والفرح بما ينالهم من خير ونعم، والحزن لما يصيبهم شر ونقم.

ومن أعظم النصح: النصح للمسلمين في دينهم بدلالتهم على ما شرعه الله من الدين الحق وترغيبهم فيه، ونهيهم عما نهاهم الله عنه من المحدثات والبدع والمعاصي وتنفيرهم منها.

ويشمل هذا تعليم الناس الدين، وبذل الأعمار في ذلك تدريسا وإفتاء ومناصحة، وهذا واجب العلماء وهو ميثاق الله الذي أخذه عليهم قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) [آل عمران: ١٨٧]

فبين الله الميثاق العظيم الذي أخذه على أهل الكتاب من قبلنا، وهو بيان الدين الحق الذي أنزل الله به كتبه وعدم كتمه، ثم خبره عنهم بنبذهم للحق وشرائهم به عرضًا من الدنيا قليل.

فوجههم لأمرين وهما: البيان، وعدم كتم الحق. وأخبر عنهم بأمرين وهما: النبذ للحق، وشرائهم به الدنيا.

وفي هذا توجيه لهذه الأمة لما وجه الله إليه أهل الكتاب من قبلنا.وتحذيرها مما وقعوا فيه

فمن استقام من علماء هذه الأمة على هذا الهدي فهو إمام هداية، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: ٢٤]

وقال عز وجل: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: ٧٣] .

فوصفهم في الآية الأولى بـ «الصبر» و«اليقين»، وبذلك نالوا الإمامة في الدين.

ووصفهم في الآية الثانية: بـ «هدايتهم الخلق للدين» و «بعبادتهم لرب العالمين »، وبمجموع هذه الصفات فهم مهتدون في أنفسهم، ويهدون الخلق لعبادة ربهم.

ومن خالف ذلك وسلك مسلك المنحرفين من أهل الكتاب واشترى بالعلم ثمنًا قليلًا فهو إمام ضلالة، قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ ) [القصص: ٤١] .

وقال في أحد علماء بني إسرائيل المنحرفين: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦] فوصف الله أئمةَ الضلال بأنهم دعاة للنار، وهذا متضمن دعوتهم لعمل أهل النار من الشرك والبدع والضلال، وأنهم مخذولون يوم القيامة لا ينصرون.

ووصف ذلك الشقي المنسلخ من الآيات - عياذًا بالله من حاله- بصفات عظيمة فيها من الحكم والوعيد ما فيه مزدجر لكل عاقل معتبر، وها هي مسوقة بنصها من كلام ابن القيم V.

يقول V: «وتأمل ما في هذا المثل من الحكم والمعنى: فمنها قوله: (( آتَيْناهُ آياتِنا) ) ، فأخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته، فإنها نعمة، والله هو الذي أنعم بها عليه، فأضافها إلى نفسه، ثم قال: (فَانْسَلَخَ مِنْهَا)أي: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها، وفارقها فراق الجلد يسلخ عن اللحم، ولم يقل فسلخناه منها لأنه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباع هواه.

ومنها قوله سبحانه: (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ) أي: لحقه وأدركه كما قال في قوم فرعون: (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) [الشعراء: ٦٠] , وكان محفوظًا محروسًا بآيات الله، محمي الجانب بها من الشيطان، لا ينال منه شيئًا إلا على غرة وخطفة، فلما انسلخ من آيات الله ظفر به الشيطان ظفر الأسد بفريسته، فكان من الغاوين العاملين بخلاف علمهم، الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه، كعلماء السوء.

ومنها أنه سبحانه قال:(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ) ، فأخبر سبحانه أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم، فإن هذا كان من العلماء، وإنما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله» ([11]).

والنصيحة مسؤولية عظيمة حملها الله العلماء وهي واجبة في حقهم وتتأكد عند طلبها.

وللنصيحة آثرها ووقعها في النفوس؛ فهي رفعة وشرف للناصح الصادق ومن صدَّقه، وهي ذلة وخزي على المخادع بها ومن خدعه.

وكم في هذا من العبر !!وها هي شواهد من القرآن لأثر النصيحة الصالحة الصادقة على الناصح والمنصوح، وشواهد أخرى للأثر السيئ العظيم على مدعي النصيحة من الزائغين ومتبعه في ذلك.

فانظر إلى أثر النصيحة الصادقة من رجل ليس له جاه ولا منزلة. بل هو رجل مغمور يأتي من أقصى المدينة للنصح لقومه، قال البغوي: «وهو حبيب النجار، وقال السدي: كان قصارا. وقال وهب: كان رجلًا يعمل الحرير، وكان سقيمًا قد أسرع فيه الجذام، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة» ([12]).

ومع هذا ذكره الله في كتابه، فيقول الله تبارك وتعالى في وصفه: (وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [يس: ٢٠ - ٢١] إلى قوله تعالى مبينا العاقبة الحسنة لهذا الناصح (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) [يس: ٢٦ - ٢٧]

وهذا مؤمن آخر ناصح من آل فرعون يخبر الله عنه بقوله: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ)[غافر: ٢٨] ، وقوله تعالى:(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ )[غافر: ٣٨] إلى قوله تعالى مخبرًا عن نصر الله له ووقايته من قومه: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٥] .

وانظر في مقابل ذلك لأثر النصح المزعوم من إبليس لأبوي البشر المؤيد منه بالقسم، يقول الله تعالى في حكايته: (وَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ)[الأعراف: ٢١ - ٢٢] .

ثم ماهي النتيجة؟ يقول الله تعالى: (قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) [الأعراف: ٢٤] ، وفي سياق آخر: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) [البقرة: ٣٦] .

وهذا فرعون يظهر النصح لقومه قال تعالى: (قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ) [غافر: ٢٩] ، وها هو يبدي القلق والخوف على دينهم من موسى قال تعالى: (وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ) [غافر: ٢٦] .

وفي سياق آخر بيان لموقف قومه منه وتصديقهم له: قال تعالى (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)[الزخرف: ٥٤] .

ثم ها هي النتيجة للناصح والمنصوح من خبر رب العالمين: (وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (46)وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47)قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ) [غافر: ٤٥ - ٤٨]

فالواجب على من رزقه الله علمًا أن يصدق النصح للأمة جماعة وأفرادا، فيرشدهم لكل ما يعلمه من الخير لهم، ويحذرهم من كل ما يعلمه من الشرور والفتن.

وأن لا تأخذه في النصح للمسلمين لومة لائم،إذا ما سُئل عن شيخ، أو مدرس، أو طالب، أو مدرسة، أو تخصص،أو فن من فنون العلم، أو كتاب، أو رسالة، أو مقالة، أو ترجيح بين قولين، أو مفاضلة بين عالمين، أو الأنفع من درسين، فينصح ويوجه لما يعلم أنه الأفضل والأنفع للسائل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وعلى المعلم أن ينصح للمتعلم ويجتهد في تعليمه، وعلى المتعلم أن يعرف حرمة أستاذه ويشكر إحسانه إليه؛ فإنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله »([13]).

فإن تردد في الترجيح وجب عليه التوقف، وإلا كان أحد القائلين على الله بغير علم.

وإن وجه السائل لغير ما يعلم أنه الأنفع والأصلح ابتغاء عرض من الدنيا قليل، أو مجاملة لقريب، أو مداهنة لذي جاه، أو خوفًا من ذي بأس وسطوة؛ لم يكن من الناصحين المقتدين بالأنبياء، كما قال نوح: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ)[الأعراف: ٦٢] ، وقال هود: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) [الأعراف: ٦٨] ، وقال صالح: (أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ) [الأعراف: ٧٩] .

وقال نبينا ﷺ لأصحابه في أكبر جمع ومشهد: ((وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ أَدَّيْتَ وبَلَّغْتَ وَنَصَحْتَ))([14]).

فكل الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه بلغوا العلم ونصحوا لأممهم.

فمن حاد عن النصح للمسلمين واتبع هوى نفسه لم يكن من أتباعهم على الحقيقة، وقد قال الله تعالى (ولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: ٩٠] .

بل المضيع للنصيحة خائن للأمانة، كما في الحديث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «المستشار مؤتمن». ([15]) والغاش في النصيحة لم يحفظ الأمانة بل هو مضيع.

وكذلك لم يؤدِ حق الإسلام لأخيه، ولم يحفظ وصية رسول الله في أمته على ما جاء في حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «حق المسلم على المسلم ست» فذكر منها: «وإذا استنصحك فانصح له». ([16])

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا تعمل بالخديعة فإنها خلق اللئام، وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة، وزل معه حيث زال» ([17]).

قال ابن حبان: «الواجب على العاقل لزوم النصيحة للمسلمين كافة وترك الخيانة لهم بالإضمار والقول والفعل »([18]).

وقال الماوردي: «إنَّ مَن قال ما لا يفعل فقد مَكَر، ومَن أمر بما لا يأتمر فقد خَدَع، ومَن أسرَّ غير ما يُظْهِر فقد نافق»([19]) .

وهذا آخر ما أردت سطره، أسأل الله بمنه وكرمه، وبما هدى إليه من تسطير هذه الأوراق، أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع بها المسلمين، وأن يجعلني وإخواني المسلمين من العاملين بالعلم الناصحين للخلق، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، وأن يحيينا على الإسلام والسنة وأن يميتنا على ذلك، غير مغيرين ولا مبدلين، إن ربي لسميع الدعاء لطيف لما يشاء.

كتب:

إبراهيم بن عامر الرحيلي

1438/06/26 هـ



([1])أخرجه البخاري ح(524)، و مسلم ح(56).

([2])أخرجه البخاري ح(58).

([3]) أخرجه مسلم ح(55).

([4]) أخرجه مسلم ح (101).

([5]) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 254).

([6]) سير السلف الصالحين لقوام السنة (ص: 1034).

([7])غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب للسفاريني (1/ 47).

([8])التوبيخ والتنبيه لأبي الشيخ الأصبهاني (ص: 23).

([9])بصائر ذوي التمييز للفيروزآبادي (5/ 67، 68).

([10])بصائر ذوي التمييز للفيروزآبادي (5/ 64).

([11])إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 129).

([12])تفسير البغوي (4/ 11).

([13])مجموع الفتاوى (28/ 13).

([14]) أخرجه مسلم (1218).

([15]) أخرجه أبو داود ح(5128)، والترمذي ح(2822)، وابن ماجه ح(3745)، وحكم الألباني: بصحته في صحيح الجامع (6700).

([16]) أخرجه مسلم ح(2162).

([17]) أورده ابن حبان في روضة العقلاء (ص: 194).

([18]) روضة العقلاء (ص: 194).

([19]) أدب الدنيا والدين (ص: 77).

   طباعة 
1 صوت
عدد الزوار
انت الزائر :126094
[يتصفح الموقع حالياً [ 11
الاعضاء :0الزوار :11
تفاصيل الزوار
تغريدات الشيخ
احصائيات الموقع
جميع المواد : 1277
عدد المحاضرات : 1120
عدد المقالات : 0
عدد الكتب : 19
عدد التعليقات : 0
عدد المشاركات : 0
موايت الصلاة