WOWSlider ترجمة الشيخ

الكلمة الشهرية لشهر ربيع ثاني لعام 1437هـ / الفتن

عرض المادة
الكلمة الشهرية لشهر ربيع ثاني لعام 1437هـ / الفتن
1360 زائر
19-01-2016

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين

وبعد فهذه الكلمة الشهرية لشهر ربيع ثاني لعام 1437هـ وهي بعنوان ( الفتن حقيقتها ووصفها من خلا ل النصوص الشرعية) وهي متضمنة لفوائدة مستقرأة من النصوص في حقيقة الفتن وما يتعلق بها من مسائل . أوردتها دون تعليق لوضوح دلالتها على المقصود باستثناء شرح موجز لبعض ما قد يشكل من ألفاظها .

أولا : تعريف الفتن :

الفتن بكسر الفاء وفتح التاء جمع فتنة:

قال ابن فارس" الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على الابتلاء والاختبار " . ([1])

وقال الأزهري ""جماع معنى الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان وأصلها مأخوذ من قولك فتنت الفضة والذهب " أذبتهما بالنار ليتميز الرديء من الجيد، ومن هذا قول الله تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 13]أي يحرقون بالنار " ([2])

و قال الرا غب :"أصل الفَتْنِ: إدخال الذّهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في إدخال الإنسان النار . قال تعالى : (يَوْمَهُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) [الذاريات 3] " ([3])

ثانيا : معاني الفتنة في القرآن:

1- الابتلاء والاختبار : كما في قوله تعالى : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) العنكبوت/2 " قال الطبري:"يُبْتَلُونَ في أنفسهم وأموالهم." ([4])

2- الصد عن السبيل والرد عنه : كما في قوله تعالى ( وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك) [المائدة/ من الآية49] قال الطبري "فيصدُّوك عن بعض ما أنزل الله إليك من حكم كتابه." ([5])

3- العذاب : كما في قوله تعالى : (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل:110) قال الفراء في معنى (فتنوا )"عذّبوا. نزلت فى عمّار"([6])

4- الشرك ،والكفر : كما في قوله تعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) [البقرة/193] قال ابن قتيبة "أي شرك" ([7])

5- الوقوع في الكفر والنفاق والمعاصي " : قال تعالى في حق المنافقين ( وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِي)[الحديد/ من الآية1 ] قال البغوي :"أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات وكلها فتنة " ([8])

6- ظهور الكفر وقوته : كما في قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) لأنفال/73 قال البغوي: "فالفتنة في الأرض قوة الكفر، والفساد الكبير ضعف الإسلام."وقال السمعاني : الفتنة في الأرض: قوة الكفر، والفساد الكبير: ضعف الإيمان." ([9])

7- الإضلال : كما في قوله تعالى : {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة 41 ] ، ومعنى الفتنة هنا الإضلال كما في قول ابن عباس ومجاهد والطبري وغيرهم من المفسرين ([10])

8- القتل والأسر : ومنه قوله تعالى : (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) النساء / 101 .

قال السمعاني :" أي: يقتلكم، والفتنة بمعنى: القتل هاهنا " ([11])

9- الاختلاف وعدم اجتماع قلوبهم : كما في قوله تعالى : ( ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ) والفتنة هنا هي: (تفريق الجماعة، وشتات الكلمة.) في أحد قولي المفسرين للآية ([12])

10- الجنون : كما في قوله تعالى ( بأيِّكم المفتون ) .فالمفتون هنا بمعنى المجنون . في قول ابن عباس ومجاهد وبعض المفسرين ([13])

11- الإحراق بالنار : لقوله تعالى : ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات )

. قال الزجاج :"أي أحرقوا المؤمنين والمؤمنات، يقال فتنت الشيء، أحرقته، والفتين حجارة سود كأنها محرقة." ([14])

وكذا نقل الطبري عن قتادة،والضحاك و ابن أبزى في معنى (فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) قالوا : "حرّقوهم بالنار." ([15])

ثالثا :معاني الفتنة في السنة

1- فتنة الرجل بالنساء فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ r- قَالَ مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ" ([16])

2- الفتنة في المال و الحرص عليه فعَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ" إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ "([17])

3- الفتنة في المال والولد ففي حديث حذيفة في الصحيحين عن النبي r:أنه قال «فتنة الرجل في أهله وماله وجاره، تكفرها الصلاة والصيام والصدقة»، ([18])

4- السؤال في القبر عن الرب والدين والنبي r- ففي حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما عن النبي r أنه قال :"تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ .." ([19])

5- فتنة المسيح الدجال فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال " ([20])

6-فتنة المحيا والممات وقد تقدم دليلها في الحديث السابق

7- فتنة الكفار بصد المسلمين عن دينهم فعَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ وَهُوَ يَقُولُ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا "([21])

8- اتباع المتشابه المتشابه وترك المحكم من الأحكام الشرعية فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 7] قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ" ([22])

9- إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين والتسلط عليهم بالشهوات والشبهات فعَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ إِنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً " ([23])

رابعا : أقسام الفتن :

1-انقسامها باعتبار تعلقها بالشر والخير :

الفتنة تكون في الخيركما تكون في الشر قال تعالى:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } [الأنبياء: 35] قال الراغب :" وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا، وقد قال فيهما: " ([24])

2-انقسامها باعتبار إضافتها لله وللعبد :

والْفِتْنَةُ من الأفعال التي تكون من الله تعالى، وتكون من العبد ([25])

فتكون من الله على وجه الحكمة قال تعالى :{وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53]

وقال سبحانه : {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3]

وقال عز وجل :{وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} [ص: 34]

وتكون من الإنسان بغير أمر الله مذمومة ، كالبليّة والمصيبة، والقتل والعذاب وغير ذلك من الأفعال الكريهة ولهذا يذّمّ الله الإنسان بأنواع الفتنة في كلّ مكان نحو قوله تعالى ( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ))[البقرة/ 191] ، (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات ثم لم يتوبوا )[البروج/ 10] ، وقوله {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 48]وقوله {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } [آل عمران: 7]

خامسا: صفات الفتن :

1-الفتنة التي تعم الظالمين وغيرهم :

قال تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25]

قال السمعاني :"أكثر المفسرين على أن الآية في أصحاب النبي ومعناها: اتقوا عذابا يصيب الظالم وغير الظالم.قال الزبير حين رأى ما رأى يوم الجمل: ما علمت أن هذه الآية نزلت فينا أصحاب رسول الله حتى كان هذا اليوم. وقال ابن عباس في معنى الآية: لا تقروا المنكر بينكم، ومروا بالمعروف؛ كي لا يعمكم الله بعقاب، فيصيب الظالم وغير الظالم. وقيل: أراد بالفتنة: تفريق الكلمة واختلاف الآراء، واتقوا فتنة تفريق الكلمة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، فيكون العذاب مضمرا فيه {واعلموا أن الله شديد العقاب} " ([26])

2- الفتنة تكون في الأموال والأولاد:

قال تعالى:{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [التغابن: 15]

قال ابن عباس "هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يهاجروا إلى المدينة فمنعهم أزواجهم وأولادهم، وقالوا صبرنا على إسلامكم فلا نصبر على فراقكم فأطاعوهم، وتركوا الهجرة، فقال تعالى فاحذروهم" ([27])

وقال الطبري "يقول تعالى ذكره للمؤمنين: واعلموا، أيها المؤمنون، أنما أموالكم التي خوَّلكموها الله، وأولادكم التي وهبها الله لكم، اختبارٌ وبلاء، أعطاكموها ليختبركم بها ويبتليكم، لينظر كيف أنتم عاملون من أداء حق الله عليكم فيها، والانتهاء إلى أمره ونهيه فيها ([28])

3-الفتنة أشد من القتل :

قال تعالى :{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ } [البقرة: 191]

قال الطبري :"فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجعَ عنه فيصير مشركا بالله من بعد إسلامه، أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يُقتل مقيمًا على دينه متمسكا عليه، مُحقًّا فيه"

ثم نقل عن مجاهد في قول الله:"والفتنة أشدُّ من القتل" قال: ارتداد المؤمن إلى الوَثن أشدُّ عليه من القتل.و عن قتادة قوله:"والفتنة أشدُّ من القتل" يقول: الشرك أشدُّ من القتل." ([29])

4-أن الفتن يرقق بعضه بعضا :

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" ([30])

قال النووي في معنى يرقق بعضها بعضا :"أي يصير بعضها رقيقا أي خفيفا لعظم ما بعده فالثاني يجعل الأول رقيقا وقيل معناه يشبه بعضها بعضا وقيل يدور بعضها في بعض ويذهب ويجيء وقيل معناه يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها "([31])

5-أن للفتن دعاة وهم دعاة للنار وأن يموت الرجل وهو عاض على أصل شجرة، خير له من أ ن يتبعهم:

عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَكُونُ فِتَنٌ عَلَى أَبْوَابِهَا دُعَاةٌ إِلَى النَّارِ، فَأَنْ تَمُوتَ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلِ شَجَرَةٍ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتْبَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ" ([32])

فدل على أن للفتن دعاة وأنهم دعاة للنار وكون الرجل يعض على أصل شجرة حتى يموت على ذلك خير له من أن يتبع أحدا منهم مما يدل على خطورة اتباعهم .

سادسا :أحوال الناس في الفتن :

1-تفاضل الناس بحسب الابتعاد عن الفتن ومن يشرف لها تستشرفه :

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به» ([33])

قال النووي في شرح الحديث :"ومعنى تستشرفه تقلبه وتصرعه وقيل هو من الإشراف بمعنى الإشفاء على الهلاك ومنه أشفى المريض على الموت وأشرف وقوله صلى الله عليه وسلم ومن وجد منها ملجأ أى عاصما وموضعا يلتجىء إليه ويعتزل فليعذبه أى فليعتزل فيه وأما قوله صلى الله عليه وسلم القاعد فيها خير من القائم إلى آخره فمعناه بيان عظيم خطرها والحث على تجنبها والهرب منها ومن التثبث في شيء وأن شرها وفتنتها يكون على حسب التعلق بها"([34])

2-خوف المؤمن من الفتن وقوله : هذه مهلكتي:

وقد تقدم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق :"فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه،.." ([35])

3- أقسام الناس في التأثر بالفتن :

عن حذيفة، قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا، قال: أنت لله أبوك قال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها، نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز، مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه » قال أبو خالد: فقلت لسعد: يا أبا مالك، ما أسود مرباد؟ قال: «شدة البياض في سواد»، قال: قلت: فما الكوز مجخيا؟ قال: «منكوسا»،([36])

فدل على أثر الفتن على القلوب وأنها تفضي إلى قلبين الأول : أبيض كالصفا فوصف بوصفين بالبياض في لونه وعدم تأثره بشيء من الكدر والمقصود سلامته من الفتن وبالصلابة في طبعه كالحجر الأملسُ الذى لا يعلق به شىء، وذلك لشدته وصلابته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل و الفتن . والآخر :(أسود مربادا) فوصف بالسواد وأنه مرباد و المرباد: هو الطين المتغير المنتن، الذي صار أسودًا من غاية تغيره لا يعرف الخير، ولا يبصر الحق؛ لانعدام النور عنه وهو موصوف أيضا بأنه كالكوز الخاوى الفارغ من الإيمان، كما قيل فى قوله تعالى: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ } [إبراهيم: 43]قيل: لا تعى خيراً." ([37])

4- سرعة ارتداد بعض المسلمين عن دينهم بسبب فيصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا:

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» ([38])

سابعا : الوقاية من الفتن :

1- المبادرة للأعمال الصالحة قبل الفتن فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم،"([39])

2- اعتزال أماكنها والفرار منها : فعن أبي بكرة يحدث، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها ستكون فتن: ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها. ألا، فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه " قال فقال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: «يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن ستطاع ([40])

3- عدم اقتناء السلاح فيه وكسره إن وجد: لقوله r في حديث أبي بكرة السابق «يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟» ([41])

وفي حديث أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا. الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي. فَاكْسِرُوا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا بِسُيُوفِكُمُ الْحِجَارَةَ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ بَيْتَهُ، فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ» ([42])

4- الأناة والتثبت قال تعالى {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]

قال البغوي "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غلبوا أو غلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم، فيفشونه ويحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضعفون به قلوب المؤمنين فأنزل الله تعالى وإذا جاءهم يعني: المنافقين أمر من الأمن أي: الفتح والغنيمة أو الخوف والقتل والهزيمة أذاعوا به أشاعوه وأفشوه، ولو ردوه إلى الرسول إلى رأيه ولم يحدثوا به حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به، وإلى أولي الأمر منهم، أي: ذوي الرأي من الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم، أي: يستخرجونه وهم العلماء، أي: علموا ما ينبغي أن يكتم وما ينبغي أن يفشى، والاستنباط: الاستخراج، يقال: استنبط الماء إذا استخرجه، وقال عكرمة: يستنبطونه أي: يحرصون عليه"([43])

5-لزوم جماعة المسلمين وإمامهم

عن حذيفة بن اليمان، يقول: "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم» قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن» قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر» قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا» قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " ([44])

هذا ما أردت إيراده من استقراء لبعض النصوص في حقيقة الفتن وصفاتها وما يتعلق بها من تقاسيم ومسائل . أسأ ل الله الكريم أن ينفعني والمسلمين بها وأن يجعلها خالصة لوجهه العظيم

والله أعلم .


([1])مقاييس اللغة (4/ 472)

([2])تهذيب اللغة (14/ 211)

([3])المفردات في غريب القرآن (ص: 623)

([4])تفسير الطبري (19/ 7)

([5])تفسير الطبري (10/ 392)

([6])معاني القرآن للفراء (2/ 113)

([7])غريب القرآن لابن قتيبة ت أحمد صقر (ص: 77)

([8])تفسير البغوي (8/ 36)

([9])تفسير البغوي - طيبة (3/ 380) تفسير السمعاني (2/ 282)

([10]) انظر التفسير البسيط للواحدي (7/ 381) وتفسير الطبري (10/ 317)

([11])تفسير السمعاني (1/ 472)

([12]) انظر زاد المسير لابن الجوزي (2/ 265)

([13])انظر تفسير الطبري (23/ 153) وتفسير ابن كثير (8/ 208)

([14])معاني القرآن وإعرابه للزجاج (5/ 308)

([15])تفسير الطبري (24/ 344)

([16])رواه البخاري (5096) ومسلم (2740)

([17])رواه الترمذي (2336) وقال "حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ "

([18])رواه البخاري(1895) ومسلم (144)

([19])رواه البخاري (86) ومسلم(905)

([20])رواه مسلم ( 588)

([21])رواه البخاري (2837) ومسلم(18039)

([22])رواه البخاري (4745) ومسلم(2665)

([23])رواه مسلم(2813)

([24])المفردات في غريب القرآن (ص: 623)

([25])انظرالمفردات في غريب القرآن (ص: 624)

([26]) تفسير السمعاني (2/ 258)

([27]) تفسير البغوي (5/ 104)

([28]) تفسير الطبري (11/ 126)

([29]) تفسير الطبري (3/ 565)

([30]) رواه مسلم (1844)

([31]) شرح النووي على مسلم (12/ 233)

([32])أخرجه ابن ماجه ( 3981) [قال الألباني]: صحيح

([33]) رواه البخاري(3601) و مسلم (2886)

([34])شرح النووي على مسلم (18/ 9)

([35]) تقدم تخريجه

([36])رواه مسلم (144)

([37]) انظر إكمال المعلم للقاضي عياض (1/ 453) والمفاتيح في شرح المصابيح للمظهري (5/ 346)

([38]) رواه مسلم (118)

([39])رواه مسلم (118)

([40])رواه مسلم (2887)

([41]) المصدر السابق

([42]) أخرجه أحمد في المسند (32/ 504) وقال مققو المسند " صحيح لغيره"

([43]) تفسير البغو ي (1/ 667)

([44])أخرجه البخاري (3606) و مسلم (1847)

   طباعة 
0 صوت
عدد الزوار
انت الزائر :126094
[يتصفح الموقع حالياً [ 11
الاعضاء :0الزوار :11
تفاصيل الزوار
تغريدات الشيخ
احصائيات الموقع
جميع المواد : 1277
عدد المحاضرات : 1120
عدد المقالات : 0
عدد الكتب : 19
عدد التعليقات : 0
عدد المشاركات : 0
موايت الصلاة