WOWSlider ترجمة الشيخ

الكلمة الشهرية لشهر ذي القعدة لعام 1436هـ / الصحبة

عرض المادة
الكلمة الشهرية لشهر ذي القعدة لعام 1436هـ / الصحبة
1643 زائر
03-09-2015

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمد ا كثيرا طيبا مباركا فيه على آلائه العظيمة ومننه العميمة وصلى الله وسلم على نبيه ورسولة محمد النعمة المسداه والرحمة المهداة.

وبعد فهذه الكلمة الشهرية لشهر ذي القعدة وهي بعنوان( الصحبة وأثرها)

فقد أمر الله بصحبة الأخيار وملازمتهم ونهي عن مصاحبة الأشرار وطاعتهم

قال تعالى:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } [الكهف: 28]

يقول الطبري "يقول جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم: ولا تصرف عيناك عن هؤلاء الذين أمرتك يا محمد أن تصبر نفسك معهم إلى غيرهم من الكفار، ولا تجاوزهم إليه"([1])

وعن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة "([2])

وقال ابن حبان رحمه الله : " العاقل يلزم صحبة الأخيار ويفارق صحبة الأشرار لأن مودة الأخيار سريع اتصالها بطيء انقطاعها ومودة الأشرار سريع انقطاعها بطيء اتصالها وصحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار ومن خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم، فالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الريب لئلا يكون مريبا فكما أن صحبة الأخيار تورث الخير كذلك صحبة الأشرار تورث الشر"([3])

وصحبة الأخيار من أهل الإستقامة في اعتقادهم وسلوكهم . ومباعدة الأشرار من أهل الانحراف اعتقادا وسلوكا هو مطلب كل مؤمن، لما في صحبة الأخيار من النفع في الدنيا والآخرة ولما في صحبة الآشرار من الآضرار العظيمة على الدين والدنيا . وليعلم أن أعظم ما يعين على ذلك هو لزوم السنة وامتثالها علما وتقريرا وامتثالا وتطبيقا.

وبيان ذلك أن أهل الخير يألفون أهل الاستقامة ويصحبونهم ويوالونهم ويعينونهم . فمتى ما استقام الرجل على السنة وفق لصحبة هؤلاء الأخيار وانتفع بهم لما بينه وبينهم من الألفة والتوافق على الحق والموالاة عليه.

قال تعالى : {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]

وفي مقابل هذا التوفيق في صحبة الأخيار . يوفق لمباعدة الأشرار فلا يألفونه ولا يألفهم لما بينه وبينه من المباعدة في الدين والأخلاق.

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»([4])

وأهل الشر والفتنة لا يألفون إلا من كان على طريقتهم . فلا يألفون أهل الإستقامة كما أن أهل الإستقامة لا يألفونهم

وقد طلبت من شيخ فاضل من خيار أهل السنة سمتا وورعا وزهدا بحيث لا يكاد يختلف في فضله أن يناصح جماعة من المخالفين

فأمتنع ورأيت الامتعاض في وجهه: " فقال هولا ء لا أألفهم ولا يألفونني "

وأعرف رجلا صالحا من المحافظين على الصلا ة في المسجد النبوي وحضور الكثير من الدروس مع تواضع وحب للخير، وهو يعمل في إدارة له زميل لا ترتضى طريقته فقلت له :فلان زميلكم ؟ -وكنا على العشاء في مناسبة-

"فقال :نعم وتغير وجهه تغيرا كبيرا حتى كأنما أكل لقمة شديدة المرارة "

فندمت أن ذكرت له ذلك الرجل . وأثر كثيرا في نفسي."

وحدثنا أحد أساتذتنا المصريين في المعهد العلمي وهو شيخ كبير في السن في ذلك الوقت " أن شيخا له كان إذا رأى نصراني يستقئ." واقسم على ذلك.

ومن خالط الناس وخبرهم وكان ذا تأمل وتدبر عرف من شواهد ذلك الكثير.

ومن الشواهد لذلك أيضا نفور أهل الأهواء والبدع من أهل السنة ورميهم لهم بالألقاب السيئة لماهم عليه من الحق فكل طائفة تشنع على أهل السنة بما يخالف باطلهم فتجد المعطلة يرمون أهل السنة بالتجسيم والتشبيه لإثباتهم الصفات .والمشبهه يرمونهم بالتعطيل لنفي التشبيه بين الخالق والمخلوق والقدرية يرمونهم بالجبر لتقريرهم مشيئة الرب. والجبريه يرمونهم بالتكذيب بالقدر لإثباتهم مشيئة العبد. والخوارج يرمونهم بترك انكار المنكر للزومهم الجماعة وترك الخروج على الحكام .والوعيدية يرمون أهل الحق بالإرجاء لعدم التكفير بالذنوب. والمرجئة برمونهم بالشك للإستثناء في الإيمان. والرافضة يرمونهم بالنصب لحب الصحابة . والنواصب يرمونهم بالتشيع لحب أهل البيت .

وقد رأينا من أهل الخلاف المعاصرين ما شابهوا به أولئك في مواقفهم من أئمة السنة .

فيرمي خوارج العصر أهل السنة بالإرجاء ومداهنة الحكام وترك الإنكار عليهم للزوم السنة وترك الخروج على الحكام؟

ويرمي المتصوفة أهل السنة بالجفاء وبغض الأولياء لترك الشرك في الصالحين والغلو فيهم . ويرمي المستغربون أهل الدين بالرجعية لتمسكهم بدينهم وعدم مجاراتهم في موادة الكفار ومشابهتهم .

وهكذا تمتد الفتنة لبعض الغلاة المنتسبين للسنة المتظاهرين بالرد على المخالف فيرمون بعض أهل السنة بالتمييع لعدم مجاراتهم في التبديع . وبموالاة أهل البدع لترك الدخول في فتنة التجريح غير المنضبط. ومخالفة العلماء لعدم موافقة فلان وفلا ن.

وكل هولا ء الأصناف المتقدم ذكرهم -وإن كانوا متفاوتين في درجات مخالفاتهم- إلا أنهم يدعون لمفارقة ومهاجرة كل من خالفهم في أهوائهم من أهل السنة ويعقدون الولاء والبراء على موافقتهم فمن وافقهم والوه وقربوه ومن خالفهم عادوه وأبعدوه .والواجب أن يكون الولاء للحق لا للانتصار للنفس

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية" وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى كما قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} .

وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهدا بموافقته على كل ما يريده؛ وموالاة من يواليه؛ ومعاداة من يعاديه بل من فعل هذا كان من جنس جنكيز خان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقا مواليا ومن خالفهم عدوا باغيا"([5])

وبعض هولا ء يظن أنه بهجره لأهل للحق ومعاداتهم أو أمره لمن يطيعه من الطلبة بذلك يظن أنه بفعله هذا قد عاقب أو أضر بمن هجره من أهل السنة والحق. وما شعر أن ضرر ذلك على نفسه ومن أطاعه في الهجر .

وأما صاحب الحق فلن يتضرر من ذلك بشيئ بل هو في الحقيقة منتفع بمباعدة هؤلاء البطالين الذين إن لم يتضرر بمجالستهم وحضورهم فليس له بهم انتفاع بوجه.

وقد لمست هذا شخصيا فبعد أن منّ الله علي بإقبال بعض طلبة العلم النجباء على الدروس والحرص عليها .و انصراف بعض المغرر بهم عن تلك الدروس استجابة لتحذير المحذرين . حصل بهذا تمحيص لأهل العقول والنجابة والفهم من أهل الطيش والبلادة والشبه . فأصبح لا يحضر إلا من يستحق التعليم وكفاني الله مؤنة مباعدة من ليس للعلم بأهل .فكانت نعمة الله علي بمهاجرة أولئك المفتونين ومباعدتهم لا تقل عن نعمته علي بمصاحبة الأخيار وموادتهم .

وقد كان بعض السلف ينهون عن إلقاء العلم على غير أهله ويرون ذلك من صيانة العلم

فعن شعبة قال: رآني الأعمش وأنا أحدث قوما فقال: «ويحك يا شعبة تعلق اللؤلؤ في أعناق الخنازير» ([6])

و عن كثير بن مرة الحضرمي، قال: «إن عليك في علمك حقا كما أن عليك في مالك حقا، لا تحدث العلم غير أهله فتجهل ولا تمنع العلم أهله فتأثم، ولا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتوك» ([7])

ولما دخل محمد بن إدريس الشافعي، مصر أتاه جلة أصحاب مالك، وأقبلوا عليه فابتدأ يخالف أصحاب مالك في مسائل، فتنكروا له، وحصروه، فأنشأ يقول: «

أأنثر درا وسط سارحة النعم ... أأنظم منثورا لراعية الغنم

لعمري لئن ضيعت في شر بلدة ... فلست مضيعا بينهم غرر الحكم

فإن فرج الله اللطيف بلطفه ... وصادفت أهلا للعلوم وللحكم

بثثت مفيدا واستفدت وداده ... وإلا فمكنون لدي ومنكتم

فمن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم([8])

وليعلم كل من تعرض لمهاجرة أصحاب الفتنة ومقاطعتهم أن ذلك من توفيق الله له بأن صرف عنه صحبة من لا خير في صلته ولا منفعة في مجالسته.

فليحمد الله على ذلك وليلزم الحق ويسأل الله الثبات عليه لماوقاه الشرور والفتن ومصاحبة أهلها .

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.



([1]) تفسير الطبري (18/ 6)

([2])أخرجه البخاري (7/ 96)ح (5534) و مسلم (4/ 2026)ح(2628)

([3])روضة العقلاء (ص: 99-100)

([4]) أخرجه البخاري (4/ 134)

([5])مجموع الفتاوى (28/ 15)

([6])جامع بيان العلم وفضله (1/ 446)

([7])جامع بيان العلم وفضله (1/ 452)

([8])جامع بيان العلم وفضله (1/ 447) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (9/ 153)

   طباعة 
1 صوت
عدد الزوار
انت الزائر :119628
[يتصفح الموقع حالياً [ 12
الاعضاء :0الزوار :12
تفاصيل الزوار
تغريدات الشيخ
احصائيات الموقع
جميع المواد : 1276
عدد المحاضرات : 1119
عدد المقالات : 0
عدد الكتب : 19
عدد التعليقات : 0
عدد المشاركات : 0
موايت الصلاة