WOWSlider ترجمة الشيخ

حقية التوبة وأحكامها لشهر رمضان لعام 1436

عرض المادة
حقية التوبة وأحكامها لشهر رمضان لعام 1436
1723 زائر
12-07-2015

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف والمرسلين

وبعد فهذه هل الكلمة الشهرية لشهر رمضان لعام 1436هـ وهي متعلقة بحقيقة التوبة وأحكامها وذلك أن المسلمين في هذا الشهر يتقربون بأنواع الطاعات المؤثرة في إنابة الكثير منهم لله وصدق العزيمة في التوبة النصوح والإقلاع عن المعاصي بقية الحياة فأحببت أن أنبه على أحكام التوبة لتكون عونا لهم في تحقيقها على الوجه الصحيح .

تعريف التوبة

تعريف التوبة في اللغة:

التوبة مصدر الفعل تاب، وأصل هذه المادة: التاء، والواو، والباء :توب

وهي تدور حول معاني الرجوع، والعودة، والإنابة، والندم.

قال ابن فارسفي مادة =توب: "(تَوَبَ) التَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْبَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ. يُقَالُ تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ،أَيْرَجَعَ عَنْهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً وَمَتَابًا، فَهُوَ تَائِبٌ. وَالتَّوْبُ:التَّوْبَةُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَابِلِ التَّوْبِ} [غافر: 3] "([1])

.وقال ابن منظور: "التوبة: الرجوع من الذنب. " ([2])

تعريف التوبة في الشرع:

قال ابن القيم :في تعريف التوبة: "فحقيقة التوبة هي الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على ألا يعاوده في المستقبل والثلاثة تجتمع في الوقت الذي تقع فيه التوبة،فإنه في ذلك الوقت يندم،ويقلع،ويعزم"([3])

وقال أيضاً: "حقيقة التوبة الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحب،وترك ما يكره، فهي رجوع من مكروه إلى محبوب، فالرجوع إلى المحب وبجزء مسماها، والرجوع عن المكروه الجزء الآخر"([4])

توبة الرب على العبد وتوبة العبد للرب

والتوبة تكون من الله على العبد، ومن العبد إلى الله؛ فإذا كانت من الله عُدِّيت بعلى، وإذا كانت من العبد إلى الله عديت بإلى.

قال الله تعالى : [إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] النساء:17.

وقال عز وجل : [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] النور:31.

وقال: [وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً] الفرقان: 71.

قال ابن سيده"ورَجُلٌ تَوّابٌ: تائِبٌ إِلى اللهِ. واللهُ تَوّابٌ: يَتُوبُ على عَبْدِه."([5])

وقال الأزهري:"أصل تاب عاد إلى الله ورجع وأناب وتاب الله عليه،أي عاد عليه بالمغفرة،([6])

من معاني التوبة في القرآن الكريم

ورد لفظ التوبة في القرآن الكريم دالاً على معان عدة منها:

1 - التوبة بمعنى الندم:

ومنه قوله تعالى : {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54].

وقوله تعالى : {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].

2 - التوبة بمعنى التجاوز:

ومنه قوله - تعالى -: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 117]، أي تجاوز عنهم.

وقوله تعالى : {وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 73].

3 - التوبة بمعنى الرجوع عن الشيء:

ومنه قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام : {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143]، أي رجعت عن سؤالي الرؤية.

وجوب التوبة على جميع المؤمنين

قال الإمام ابن القيم: "ومنزلة التوبة أولا لمنازل، وأوسطها، وآخرها، فلا يفارقه العبد السالك، ولايزال فيه إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به، واستصحبه معه ونزل به، فالتوبة هي بداية العبد ونهايته، وحاجته إليها في النهاية ضرورية، كما أن حاجته إليها في البداية كذلك،وقد قال الله تعالى {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور: 31] وهذه الآية في سورة مدنية، خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه، بعد إيمانهم وصبرهم، وهجرتهم وجهادهم، ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه، وأتى بأداة لعل المشعرة بالترجي، إيذانا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاح إلا التائبون جعلنا الله منهم.

قال تعالى {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} [الحجرات: 11] قسم العباد إلى تائب وظالم، وما ثم قسم ثالث البتة، وأوقع اسم الظالم على من لم يتب، ولا أظلم منه، لجهله بربه وبحقه ،وبعيب نفسه وآفات أعماله"([7])

شروط التوبة:

أولاً: أن تكون خالصة لله - عز وجل - لأن الله - سبحانه - لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا له وحده مبتغىً به وجهه، وموافقًا أمره باتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم

ثانيًا: الإقلاع عن المعصية: لأن النفس المشغولة بلذة المعصية قلَّما تُخْلص عمل الخير؛

ثالثًا: الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال وقد شرط الله لوجوب المغفرة ودخول الجنة عدم الإصرار على فعل الفاحشة أو ظلم النفس؛ قال - تعالى -: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}

رابعًا: العزم الجازم على عدم معاودة الذنب: فيتوب من الذنب وهو يُحَدَّث نفسه ألا يعود في المستقبل، والقصد لتدارك ما فات وإصلاح ما يأتي، ودوام الطاعة ودوام ترك المعصية إلى الموت،

وقت التوبة ونهاية وقتها

التوبة مقام ينبغي أن يستصحبه العبد من أول ما يدخل فيه إلى آخر عمره، وعموم الناس محتاجون إلى التوبة دائمًا، وعلى الخَلْقِ جميعًا أن يتوبوا وأن يستديموا التوبة؛ قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].

والأمر عند إطلاقه يستلزم الوجوب؛ فالتوبة واجبة وجوبًا مطلقًا مدى العمر، ووقتها مدة العمر، وهي غاية كل مؤمن، وقد قال الله لأفضل الأنبياء - صلى الله عليه وسلم -، ولأفضل الخلق بعد الأنبياء: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117].

والعبد محتاجٌ إلى التوبة والاستغفار مطلقًا في كل وقت وحين؛ فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أُمِرَ أن يختم أعماله بالتوبة والاستغفار في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا *

وقت رفع التوبة

التوبة تقبل مالم يأت أمران

الأول خاص :وهو وقت الغررة

وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إن الله - عز وجل – ليقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (2 رواه «الترمذي» (3531)، و «ابن ماجه» (4253)، والحاكم 4/ 257

الثاني :طلوع الشمس من مغربها

عن صفوان بن عَسَّال قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من قبل مغرب الشمس بابًا مفتوحًا، عرضه سبعون سنة؛ فلا يزال ذلك الباب مفتوحًا للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه، فإذا طلعت من نحوه، لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا» (1). رواه «ابن ماجه» (4070)

أقسام التوبة باعتبار العموم والخصوص:

التوبة بهذا الأعتبار على أنواع:

أولاً: إذا تاب من ذنب وهو مُصرٌّ على آخر من نوعه؛ كأن يتوب من نوع من الخمر وهو قائم على شرب الخمر، أو يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها - مثلاً - فتوبة مَنْ هذا حالُه غير صحيحة؛ لأنه لم يتب من الذنب؛ وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر منه - أيضًا - ولا يدخل في مسمى التائب.

ثانيًا: أن يتوب عن ذنب بعينه مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه، مثل أن: يتوب عن بعض الذنوب دون بعض؛ كأن يتوب من قتل النفس وأكل أموال اليتامى، وهو مقيم على شرب الخمر وفعل الفاحشة، فهذه هي التوبة الخاصة، وحكمها أنها تصح فيما تاب منه، أما ما لم يتب منه فهو باقٍ عليه حتى يتوب منه..

ثالثًا: أن ينتهي عن جميع الذنوب فينشيء توبة تستغرق كل ما رآه ذنبًا؛ فهذه هي التوبة العامة التي لم تُبق ذنبًا إلا تناولته؛ فمَنْ هذه حاله غُفرت ذنوبه كلها شريطة أن يلتزم بعد التوبة بفعل ما أمر الله به وترْك ما نهى عنه، ويندم على ما فرط في أي أمر أو ترك؛ صغيرًا كان أو كبيرًا، ويحقق بقية شروط التوبة.

شبه في التوبة

1-تأجيل التوبة

فمن الناس من يدرك خطأه، ويعلم حرمة ما يقع فيه، ولكنه يؤجل التوبة، ويسوف فيها؛ فمنهم من يؤخرها إلى ما بعد الزواج، أو التخرج، ومنهم من يؤجلها ريثما تتقدم به السن، إلى غير ذلك من دواعي التأجيل.

وقال ابن القيم: "المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور، ولا يجوز تأخيرها؛ فمتى

أخّرها عصى بالتأخر، فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى، وهي توبته من تأخير التوبة."

أخرج ابن أبي الدنيافي قصر الأمل عن عكرمة في قوله تعالى : [وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ] سبأ: 53 قال: =إذا قيل لهم: توبوا، قالوا: سوف

قال النبي": =إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإذا تاب، ونزع, واستغفر صقل قلبه منها.وإذا زاد زادت حتى يغلف قلبه؛ فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه [كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] المطففين: 14

-2الغفلة عن التوبة

مما لا يعلمه العبد من ذنوبه: فكثير من الناس لا تخطر بباله هذه التوبة؛ فتراه يتوب من الذنوب التي يعلم أنه قد وقع فيها، ولا يظن بعد ذلك أن عليه ذنوباً غيرها.وهذا من الأخطاء التي تقع في باب التوبة، والتي قلَّ من يتفطن لها؛ فهناك ذنوب خفية، وهناك ذنوب يجهل العبد أنها ذنوب.

قال ابن القيم: ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة مما يعلم من ذنوبه، ومما لا يعلم؛ فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه.

ولهذا قال النبي": الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل+.فقال أبو بكر: فكيف الخلاص منه يا رسول الله؟

قال: أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم

فهذا طلب الاستغفار مما يعلمه الله أنه ذنب، ومما لا يعلمه العبد.

وجاء عن النبي"أنه كان يدعو في صلاته: اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني؛ إنك أنت المقدم والمؤخر لا إله إلا أنت" متفق عليه

وفي الحديث الآخر: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسره." رواه مسلم

3- ترك التوبة؛ مخافة الرجوع للذنوب:

فمن الناس من يرغب في التوبة، ولكنه لا يبادر إليها؛ مخافة أن يعاود الذنب مرة أخرى.وهذا خطأ؛ فعلى العبد أن يتوب إلى الله، فلربما أدركه الأجل وهو لم ينقض توبته.

كما عليه أن يحسن ظنه بربه جل وعلا فعن أبي هريرةtعن النبي"أنه قال: =قال الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني .ثم إن على التائب إذا عاد إلى الذنب أن يجدد التوبة مرة أخرى وهكذا...[8]

عن أبي هريرةtعن النبي"فيما يحكي عن ربه عزوجل قال: =أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال_تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنباً، فعلم أن له ربَّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أيْ ربّ اغفر لي ذنبي، فقال_تبارك وتعالى_: عبدي أذنب ذنباً، فعلم أن له ربَّاً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد، فأذنب، فقال: أيْ ربّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنباً، فعلم أن له ربَّاً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعملما شئت؛ فقد غفرت لك" [9]

4 _ ترك التوبة؛ خوفاً من لمز الناس:

فمن الناس من تحدثه نفسه بالتوبة، ولزوم الاستقامة، ولكنه يخشى لمز بعض الناس، وعيبهم إياه، ووصمهم له بالتشدد والوسوسة، ونحو ذلك مما يُرمى به بعض من يستقيم على أمر الله، حيث يرميه بعض الجهلة بذلك؛ فَيُقْصُر عن التوبة؛ خوفاً من اللمز والعيب.

وهذا خطأ فادح؛ إذ كيف يُقَدِّم خوف الناس على خوف رب الناس؟ وكيف يؤثر الخلق على الحق؟ فالله أحق أن يخشاه.

ثم إن ما يرمى به إذا هو تاب إنما هو ابتلاء وامتحان، ليمتحن أصادق هو أم كاذب؛ فإذا صبر في بداية الأمر هان عليه ما يقال له، وإن حسنت توبته، واستمر على الاستقامة أجلَّه من يُعَيّره، وربما اقتدى به.

أضف إلى ذلك أن الإنسان سيذهب إلى قبره وحيداً، وسيحشر إلى ربه وحيداً؛ فماذا سينفعه فلان وفلان ممن يثبطونه.

5_التمادي في الذنوب؛ اعتماداً على سعة رحمة الله:

فمن الناس من يسرف في المعاصي، فإذا زجر، وليم على ذلك قال: إن الله غفور رحيم، كما قال أحدهم:

وكَثِّر ما استطعت من الخطايا

إذا كان القدوم على كريم

ولا ريب أن هذا الصنيع سفه، وجهل، وغرور؛ فرحمة الله قريب من المحسنين لا من المسيئين، المفرطين المعاندين، المصرين.

ثم إن الله عزوجل مع عفوه، وسعة رحمته شديد العقاب، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين.

قال تعالى : [نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ] الحجر: 49.

تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي

درك الجنان بها وفوز العابد

6_ اليأس من رحمة الله:

فمن الناس من إذا أسرف على نفسه بالمعاصي، أو تاب مرة أو أكثر فعاد إلى الذنب مرة أخرى أيس من رحمة الله، وظن أنه ممن كتب عليهم الشقاوة؛ فاستمر في الذنوب، وترك التوبة إلى غير رجعة.

وهذا ذنب عظيم، وقد يكون أعظم من مجرد الذنب الأول الذي ارتكبه؛ لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون؛ فليجدد التوبة، وليجاهد نفسه في ذات الله حتى يأتيه اليقين.

هذا وقد مر قبل قليل أن الله عزوجل حذر من القنوط من رحمته، ومر كلام بعض السلف حول هذا المعنى.

مسائل في التوبة

الأولى:معنى التوبة من قريب

قال تعالى : [إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] النساء: 17.

فالتوبة من قريب هي التوبة في الحياة ما لم يغرغر العبد، أي ما دامت روحه في جسده لم تبلغ الحلقوم والتراقي، فهنا تقبل توبته.

قال ابن رجب: "وأما التوبة من قريب فالجمهور على أن المراد بها التوبة قبل الموت؛ فالعمر كله قريب، ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، ومن لم يتب فقد بعد كل البعد فالحي قريب، والميت بعيد من الدنيا على قربه منها؛ فإن جسمه في الأرضيبلى، وروحه عند الله تُنَعَّم أو تُعذَّب، ولقاؤه لا يرجى في الدنيا" [10]

الثانية: التوبة عند الموت:

قال تعالى : [وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً] النساء: 18.

فسوَّى عزوجل بين من تاب عند الموت، ومن مات من غير توبة.

والمراد بالتوبة عند الموت التوبة عند انكشاف الغطاء، ومعاينة المحتضر أمور الآخرة، ومشاهدة الملائكة كما مرَّ

قال ابن رجب: وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال: لا يزال العبد في مهل من التوبة ما لم يأته ملك الموت يقبض روحه؛ فإذا نزل ملك الموت فلا توبة حينئذ.

وبإسناده عن الثوري قال: قال ابن عمر: التوبة مبسوطة ما لم ينزل سلطان الموت.

وعن الحسن قال: التوبة معروضة لابن آدم ما لم يأخذ ملك الموت بكظم[11]

الثالثة هل التوبة تُرْجِعْ العبدَ إلى حاله قبل معصيته؟ :

فإذا كان للعبد حال أو مقام مع الله، ثم نزل عنه لذنب ارتكبه ثم تاب منه؛ فهل يعود بعد التوبة إلى مثل ما كان أو لا يعود؟ أو يعود إلى أنقصَ من رتبته؟ أو يعود خيراً مما كان؟ والجواب أن هذه المسألة قد اختلف فيها السلف على أقوال شتى، ومن أحسن من أجاب على تلك المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية فلقد فَصَلَ الخطاب في هذه المسألة بكلام كافٍ شاف.

قال ابن القيم في معرض كلامه على المسألة الماضية: وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية فسمعته يحكي هذه الأقوال الثلاثة حكاية مجردة؛ فإما سألته، وإما سئل عن الصواب منها فقال: الصواب أن من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود إلى أكمل منها، ومنهم من يعود إلى أنقص مما كان؛ فإن كان بعد التوبة خيراً مما كان قبل الخطيئة وأشد حذراً، وأعظم تشميراً، وأعظم ذلاً وخشية وإنابة_عاد إلى أرفع مما كان.

وإن كان قبل الخطيئة أكمل في هذه الأمور ولم يعد بعد التوبة إليها عاد إلى أنقص مما كان عليه.وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى منزلته.هذا معنى كلامه" [12]

الرابعة :كل من عصى الله فهو جاهل

وكل من أطاعه فهو عالم: قال الله تعالى : [إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] النساء: 17

قال ابن رجب: وعمل السوء إذا انفرد يدخل جميع السيئات صغيرها وكبيرها.

والمراد بالجهالة الإقدام على السوء وإن علم صاحبه أنه سوء؛ فإن كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من أطاعه فهو عالم، وبيانه من وجهين:

أحدهما: أن من كان عالماً بالله تعالى وعظمته وكبريائه وجلاله فإنه يهابه، ويخشاه؛ فلا يقع منه مع استحضار ذلك عصيانُه كما قال بعضهم: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوه.

وقال آخر: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار به جهلاً.

والثاني: أن من آثر المعصية على الطاعة فإنما حمله على ذلك جهله، وظنه أنها تنفعه عاجلاً باستعجال لذتها، وإن كان عنده إيمان؛ فهو يرجو التخلص من سوء عاقبتها، والتوبة في آخر عمره.[13]

الخامسة:هل العودة إلى الذنب مفسدٌ للتوبة:؟

بمعنى أن الشخص إذا تاب من ذنب ثم عاد إليه هل يعود إثم هذا الذنب عليه لأنه رجع إليه؟

تفصيل هذه المسألة على النحو التالي:

1 - إذا تاب واستمر على توبته، وكانت التوبة مستوفية للشروط خالية من الموانع، فهذه توبة صحيحة لا خلاف فيها بإجماع العلماء.

2 - أن يتوب من الذنب، ثم يعود إليه، ثم يتوب منه، ثم يعود إليه؛ فإذا كانت كلُّ توبة مستوفية شروطها، فإن كل توبة صحيحة.

3 - أن يتوب من الذنب، ثم يعود إليه، ويموت على ذلك، فهل يؤخذ بالأول والثاني، أم يؤخذ بالثاني وأما الأول فقد جبَّتْه التوبة ورُفع عنه الإثم؟

في ذلك قولان لأهل العلم:

الأول: أنه يؤخذ بالأول والثاني، وتكون معاودته الذنب مرة أخرى ناقضة للتوبة السابقة؛ وذلك لأن التوبة مشروطة باستمرارها والموافاة عليها، وهذا لم يستمر عليها، ولقولهتعالى: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217].

الثاني: أنه لا يؤخذ إلا بالثاني، وأما الأول فقد مَحَتْ أثره التوبة، وصار بمنزلة ما لم يعمله، ويدل لذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أذنب عبدٌ ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أنه له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك» (1). وهو الموافق لسماحة دين الإسلام؛ لما فيه من الترغيب للتائبين والمقبلين على الاستقامة.

نماذج من توبة الأنبياء

توبة آدم وزوجه:

قال تعالى {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْلَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الأعراف: 23]

توبة نوح:

{ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْلِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [هود: 47]

أخبرنا أبو الحسن علي بن عساكر أنا عبد القادر بن محمد أخبرنا الحسن بن علي أنا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ ثَنَا عَبْدُ الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق ثنا وهيب بن الورد قال: لما عاتب الله تعالى نوحا في ابنه فأنزل عليه {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} هود: 46] , قال: فبكى ثلاثمائة عام حتى صار تحت عينيه مثل الجداول من البكاء[14].

توبة موسى:

قال تعالى: { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَال لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَال سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } [الأعراف:143]

توبة داود:

قال تعالى: { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ } [ص:21-24]

وعلم داود أنه إنما عني به هو فخر ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بد منها ثم يعود فيسجد لا يأكل ولا يشرب وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله التوبة.[15]

توبة سليمان:

قال تعالى { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَان وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْلِي وَهَبْلِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (3} [ص: 34، 35]

توبة يونس:

قال تعالى{ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء: 87]

والله أعلم وهو الموفق لكل خير



([1])مقاييس اللغة (1/ 357)

([2])لسان العرب (1/ 233)

([3])مدارج السالكين (1/ 199)

([4])مدارجا لسالكين (1/ 313)

([5])المحكم والمحيط الأعظم (9/ 542)

([6])تهذيب اللغة (14/ 236)

([7])مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 196

[8] صحيح مسلم (4/ 2061)

[9] صحيح مسلم (4/ 2112)

[10] تفسير ابن رجب (ص:299)

[11] تفسير ابن رجب (ص:301)

[12] طريق الهجرتيين (ص:407)

[13] لطائف المعارف (ص:334)

[14] التوبين لابن قدامة (ص:14)

[15] التوبين لابن قدامة (ص:18)

   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
عدد الزوار
انت الزائر :119627
[يتصفح الموقع حالياً [ 13
الاعضاء :0الزوار :13
تفاصيل الزوار
تغريدات الشيخ
احصائيات الموقع
جميع المواد : 1276
عدد المحاضرات : 1119
عدد المقالات : 0
عدد الكتب : 19
عدد التعليقات : 0
عدد المشاركات : 0
موايت الصلاة