WOWSlider ترجمة الشيخ

تمييز المشروع من الممنوع في يوم عاشوراء

عرض المادة
تمييز المشروع من الممنوع في يوم عاشوراء
1149 زائر
18-02-2015
الشيخ إبراهيم الرحيلي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد...

فهذه الكلمة الشهرية لشهر صفر لعام 1435هـ بعد انقطاع عن هـذه الكلمات بسبب تزاحم الأعمال وهي متعلقة ببيان المشروع من الممنوع في عاشوراء وكان التركيز فيها على ما شاع أخيرا بين بعض طلبة العلم مما يسمى بمجالس عاشوراء وبيان النصح لإخواننا من أهل السنة من باب الحرص عليهم وتحذيرهم من التشبه بالمحدثين للمناسبات البدعية مما حذر منه العلماء وشددوا فيه.
شرع صيام عاشوراء لهذه الأمة شكرًا لله على نجاة موسى وقومه وإغراق فرعون وحزبه في هذا اليوم.

فعن ابن عباس
رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم» فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيام.[رواه البخاري (ح 2004) ومسلم(ح 1130)].
وقد جاء بيان فضل صيام يوم عاشوراء في حديث أبي قتادة
رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم عاشوراء، فقال: «يكفِّر السنة الماضية»، وفي رواية: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»[رواه مسلم (1162)].
والمشروع للمسلم في يوم عاشوراء هو صيامه ابتغاء الأجر الموعود به من الله تعالى، ومتابعةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صيامِه وأمرِه الأمة بذلك،وشُكرًا لله تعالى على إنجاء موسى من فرعون، ولأن عاشوراء يوم من أيام شهر المحرم- وهو اليوم العاشر منه - وصيام محرم هو أفضل الصيام بعد الفريضة، لما جاء في حديث أبي هريرة
رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» [رواه مسلم (1163)].
كما يشرع مع عاشوراء صيام يوم قبله وهو اليوم التاسع من المحرم طلبا لمخالفة أهل الكتاب، لحديث ابن عباس
رضي الله عنه قال: «حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تُعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«فإن كان العام المُقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع»، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم » [رواه مسلم (1134)].
وينبغي الحذر مما أحدثه أهل البدع في عاشوراء كاتخاذه مأتـمًا ومظاهر ذلك وهي بدعة الرافضة، أو اتخاذه يوم عيد وفرح ومظاهر ذلك وهي بدعة النواصب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:«فصارت طائفة جاهلة ظالمة إما ملحدة منافقة، وإما ضالة غاوية، تظهر موالاته و موالاة أهل بيته، تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم و حزن و نياحة، و تظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود، و شق الجيوب، و التعزي بعزاء الجاهلية ...

فعارض هؤلاء قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين و أهل بيته، و إما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، و الكذب بالكذب، و الشر بالشر، و البدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح و السرور يوم عاشوراء كالاكتحال و الاختضاب، و توسيع النفقات على العيال، و طبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، و نحو ذلك مما يفعل في الأعياد و المواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد و الأفراح، و أولئك يتخذونهم مأتمًا يقيمون فيه الأحزان و الأتراح، و كل الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة
» [مجموع الفتاوى (25/ 307-310 )].
وقال رحمه الله:
«وقوم من المتسنِّنَة رووا ورويت لهم أحاديث موضوعة بنوا عليها ما جعلوه شعارا في هذا اليوم[يعني يوم عاشوراء]يعارضون به شعار ذلك القوم [يعني الرافضة]فقابلوا باطلًا بباطل وردوا بدعةً ببدعة»[مجموع الفتاوى( 4/513)].
وقال أيضا:
«وأحدث بعض الناس فيه أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها مثل فضل الاغتسال فيه أو التكحل أو المصافحة، وهذه الأشياء ونحوها من الأمور المبتدعة كلها مكروهة وإنما المستحب صومه » [اقتضاء الصراط المستقيم (301)].
وقال الإمام ابن القيم:
«وأما حديث الاكتحال والادهان والتطيب، فمن وضع الكذابين، وقابلهم آخرون فاتخذوه يوم تألم وحزن، والطائفتان مبتدعتان خارجتان عن السنة.
وأهل السنة يفعلون فيه، ما أمر به النبي
صلى الله عليه وسلم من الصوم، ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع »[المنار المنيف ص75].
ومما شاع في السنوات الأخيرة بين بعض طلاب العلم من أهل السنة والجماعة خاصة ممن لهم عناية بالأحاديث والإسناد ما يسمى بـ
«مجالس عاشوراء»، وهي مجالس تعقد في يوم عاشوراء من كل سنة يروي فيها الشيخ - وهو صاحب المجلس - لتلاميذه حديث فضل صيام عاشوراء بسنده المسلسل بيوم عاشوراء، وأصبحت هذه المجالس مشهورة بين المهتمين بها ويعلن لها في وسائل الإعلام من وقت مبكر .
ولاشك أن عناية هؤلاء بالسنة وتلقي الأحاديث بأسانيدها المتصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم التحديث بها ونشرها بين الناس؛ هذا مما يحمد لهم بل من المناقب العظيمة لهم هذا مع ما هم عليه من خير عظيم في العلم بالسنة والعمل بها والسعي في الدعوة إليها والتحذير من البدع.

إلا أني أرى - والعلم عند الله - أن تخصيص يوم عاشوراء في كل سنة بمجلس يخصُّه يسمى بمجلس عاشوراء، والمداومة على عقده في كل سنة أن هذا محل نظر، بل فيه مخالفة للسنة وبيان ذلك من عدة وجوه:

أولاً
: حرر العلماء في مباحث التعريف بالبدع وفي مقام التعريف بالبدع الإضافية على وجه الخصوص: أن التزام شيء مما هو مشروع على وجه الإطلاق وتخصيصه بزمن أو مكان يعد من البدعة المحدثة.
قال أبو شامة: «ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصَّها بها الشرع، بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان ليس لبعضها على بعض فضل إلا ما فضله الشرع وخصَّه بنوع من العبادة، فإن كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها كصوم يوم عرفة وعاشوراء والصلاة في جوف الليل والعمرة في رمضان، ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلًا فيه جميع أعمال البر، كعشر ذي الحجة وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، أي: العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، فمثل ذلك يكون أيُّ عمل من أعمال البر حصل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر، فالحاصل أن المكلف ليس له منصب التخصيص، بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفة عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم »
[الباعث على إنكار البدع والحوادث (77)].
قال الإمام ابن دقيق العيد:
«إن هذه الخصوصيات بالوقت أو بالحال والهيئة والفعل المخصوص يحتاج إلى دليل خاص يقتضي استحبابه بخصوصه».
وقال موضحًا ذلك :
« لأن الحكم باستحبابه على تلك الهيئة الخاصة يحتاج دليلًا شرعيًّا عليه ولا بد، بخلاف ما إذا فعل بناء على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص بذلك الوقت ولا بتلك الهيئة» [إحكام الأحكام (1/200)].
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
«شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد، فإن العام والمطلق لا يدل على ما يختص بعض أفراده، ويقيد بعضها فلا يقتضي أن يكون ذلك الخصوص والتقييد مشروعًا ولا مأمورًا به، فإن كان في الأدلة ما يكره ذلك الخصوص والتقييد كُره، وإن كان فيها ما يقتضي استحبابه استُحب، وإلا بقي غير مستحب ولا مكروه، مثال ذلك : إن الله شرع دعاءه وذكره شرعًا مطلقًا عامًّا فقال تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [[الأحزاب: 41]، وقال تعالى: ] ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [[الأعراف: 55]، ونحو ذلك من النصوص، فالاجتماع للدعاء والذكر في مكانٍ معينٍ أو زمانٍ معينٍ أو الاجتماع لذلك تقييد للذكر والدعاء لا تدل عليه الدلالة العامة المطلقة بخصوصه وتقييده، ولكن تتناوله لما فيه من القدر المشترك» [مجموع الفتاوى (20/ 196)].
وقال الشاطبي في الاعتصام (2/293):
« ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقة أن يكون أصل العبادة مشروعًا، إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل، توهـمًا بأنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي، أو يطلق تقييدها، وبالجملة فتخرج عن حدها الذي حُدَّ لها».
وذكر أمثلة لذلك كتخصيص الجمعة أو الأربعاء أو السابع أو الثامن في الشهر بالصيام، وكتخصيص الأيام الفاضلة بأنواع العبادات التي لم تشرع لها تخصيصا، كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا.

وقال
(2/294): «فصار ذلك التخصيص من المكلف بدعة ؛ إذ هي تشريع بغير مستند».
وقال أبو شامة: «ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصَّها بها الشرع، بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان ليس لبعضها على بعض فضل إلا ما فضله الشرع وخصه بنوع من العبادة، فإن كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها كصوم يوم عرفة وعاشوراء والصلاة في جوف الليل والعمرة في رمضان، ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلًا فيه جميع أعمال البر، كعشر ذي الحجة وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، أي: العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، فمثل ذلك يكون أيُّ عمل من أعمال البر حصل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر، فالحاصل أن المكلف ليس له منصب التخصيص، بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفة عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم »
[البدع والحوادث (77)].
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز
رحمه الله في رسالة حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان: «فلو كان تخصيص شيء من الليالي بشيء من العبادة جائزًا لكانت ليلة الجمعة أولى من غيرها؛ لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس بنص الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تخصيصها بقيام من بين الليالي دلَّ ذلك على أن غيرها من الليالي من باب أولى لا يجوز تخصيص شيء منها بشيء من العبادة إلا بدليل صحيح يدل على التخصيص» [مجموع فتاوى عبد العزيز بن باز(191/1-192)].
وكلام العلماء في هذا يطول والقصد أن تخصيص يوم عاشوراء بمجلس خاص يحدث فيه بحديث خاص يلتزم في كل سنة يدخل في عموم ما حذر منه العلماء بل فيه تخصيص من عدة وجوه كما هو ظاهر.

فإن التحديث بهذا الحديث ما خصَّه الشارع بيوم عاشوراء، وما خصَّ يوم عاشوراء به، ولم يجعل للتحديث به مجلسًا يسمى بمجلس عاشوراء ويلتزم ذلك في كل سنة، وكون بعض رواته حدث به في ذلك اليوم فإن كان هذا بحكم الموافقة من غير قصد التخصيص فلا إشكال، وإن كان قصد التخصيص فليس فعل هؤلاء الرواة بحجة فلا يتأسى بهم في خطئهم، على أن هذه الصورة التي عند المتأخرين وهو التزام هذا في كل سنة أمر زائد عن فعل الرواة قديمـًا فلربما حدث به الراوي في سنَة وتحمل عنه فيها لكنه لم يلتزم ذلك في كل سنة.

ثانيًا:
أن هذا الحديث المسلسل بيوم عاشوراء لم يثبث تسلسله بهذا الوصف للنبي صلى الله عليه وسلم ، وبل ولا بعده حتى زمن المنذري الذي يعد أول من حدث بهو أملى فيه جزءًا ثم اشتهر هذا التسلسل بعده عند بعض المتأخرين،وإن كان حديث أبي قتادة وهو الأصل لهذا الحديث المعروف بـ«مسلسل عاشوراء» أخرجه الإمام مسلم وغيره وهو ثابت، لكن ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث به في عاشوراء، بل ولا حصل ذلك من رواة الحديث بعده إلى وقت الإمام المنذري وهذا مما صرح به جملة من المحدثين وأهل الاختصاص بهذا الفن.
يقول الإمام السخاوي «وللمنذري جزء أملاه في عاشوراء، وسمعته على غير واحد منهم شيخنارحمه الله[يعني الحافظ ابن حجر] في يوم عاشوراء بسماعهم له في يوم عاشوراء على ابن الشيخة».
وذكر إسناده إلى المنذري ثم قال:
«وانقطع من ثم التسلسل ولذا أعرضت عن إيراده» [الجواهر المكللة (2/5)].
وقال الشيخ الفاضل صالح العصيمي - حفظه الله -:
«وتسلسل هذا الحديث بالتحديث في يوم عاشوراء لا يجاوز المنذري، وخلط فيه المتأخرون فروه مسلسلًا بذلك إلى يوسف القاضي،ومنهم من رواه مسلسلًا كذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصح ذلك كله» [كتاب مجلس عاشوراء في المسجد النبوي ص:11].
وقال نايف العتيبي:
«حديث أبي قتادة رضي الله عنه المخرج في صحيح مسلم في فضل صوم يوم عاشوراء يعرف بـ«مسلسل عاشوراء» فهو حديث مسلسل بالتحديث يوم عاشوراء فلا يحدث به مسلسلا بشرطه إلا ذلك اليوم. وقد تكلم في تسلسله وأوله كان في مجلس أملاه المنذري في فضل صوم عاشوراء، وقد طبع ثم تتابع المسلسل إلى يومنا» [أحاديث صوم عاشوراء في الكتب الستة/ موقع صيد الفوائد].
فإذا تقرر ذلك فليس في التحديث بهذا الحديث في هذا اليوم اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم،ولذا أعرض الإمام السخاوي عن إيراد هذا المسلسل في كتابه
«الجواهر المكللة في الأحاديث المسلسلة» كما صرح بذلك في كلامه المنقول عنه سابقًا، ونعم ما صنع وهذا هو المتعين على أهل العلم اليوم هو ترك عقد هذا المجلس والتزامه لعدم ثبوت هذا المسلسل،هذا مع المحذور الشرعي من تخصيص هذا اليوم بغير مخصص شرعي كما سبق تقريره في الوجه السابق،بل عد أهل العلم له أنه من البدع.
ثالثًا:
أن أئمة السنة والحديث لم يعقدوا هذا المجلس بل ما عرف عندهم هذا المسلسل أصلًا حتى زمن الإمام المنذري على ما تقدم في كلام أهل العلم المختصين بالحديث، ثم استحسنه بعض المتأخرين وتتابعوا على سماعه وروايته على هذا الشرط لمجرد الرأي والاستحسان، والدين لا يقوم على هذا، بل ذم السلف إعمال الرأي في الدين وشددوا في ذلك.
وقد ورد عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه قوله: «اتقوا الرأي في دينكم» [رواه البيهقي في المدخل (210)، وابن عبد البر في الجامع (2002)].
وعن علي
رضي الله عنه أنه قال : «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه» [رواه أبو داود (162)، وصححه الألباني].
وعن طاووس
: أن رجلًا قال لابن عباس رضي الله عنه: الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم، قال: فقال ابن عباس رضي الله عنه: «الهوى كله ضلالة» [أخرجه الآجري في الشريعة (1/58)].
وكلام السلف في هذا المعنى مشهور وذلك لما هو متقرر لديهم أن التشريع مبناه على الاتباع لا على ما تزينه النفوس وتستحسنه العقول،بل كانوا يعدون المستحسن لشيء من الدين بغير دليل قد نزل نفسه منزلة المشرع كما قال الشافعي
«من استحسن فقد شرع» [المستصفى للغزالي (247)، شرح تنقيح الفصول للقرافي: (415)].
رابعًا:
أن العلماء قد بينوا المشروع في عاشوراء وحذروا مما أحدث فيه من البدع،وصرحوا بأن الذي يشرع فيه هو الصوم فقط، ولو كان التحديث بهذا الحديث مشروعًا فيه لبينوه وحثوا عليه وامتثلوه في أنفسهم،وقد تقدم قول شيخ الإسلام:«وأحدث بعض الناس فيه أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها مثل فضل الاغتسال فيه أو التكحل أو المصافحة وهذه الأشياء ونحوها من الأمور المبتدعة كلها مكروهة وإنما المستحب صومه» [تقدم عزوه].
وكذا قول ابن القيم:
«وأهل السنة يفعلون فيه، ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم، ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع» [تقدم عزوه].
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ:
«هذا هو المشروع في المحرم صيام اليومين التاسع والعاشر فقط لم يشرع لنا فيه عويل ولا صراخ ولا سخط ولا تعذيب للنفس ولا ضرب لها» [خطبة الجمعة1/6 /1433].
خامسًا:
تنبيه بعض العلماء على أن تكلف المتأخرين في تتبع هذه المسلسلات وقصد تحري استخراجها على كيفيات لا ينبني عليها عمل؛ ليست من صلب العلم الذي يسعى في طلبة وإنما من مُلَح العلم.
قال الشاطبي: «تحمل الأخبار والآثار على التزام كيفيات لا يلزم مثلها، ولا يطلب التزامها، كالأحاديث المسلسلة التي أتي بها على وجوه ملتزمة في الزمان المتقدم على غير قصد، فالتزمها المتأخرون بالقصد، فصار تحملها على ذلك القصد تحريا لها، بحيث يتعنَّى في استخراجها، ويبحث عنها بخصوصها، مع أن ذلك القصد لا ينبني عليه عمل، وإن صحبها العمل ; لأن تخلفه في أثناء تلك الأسانيد لا يقدح في العمل بمقتضى تلك الأحاديث، كما في حديث : الراحمون يرحمهم الرحمن؛ فإنهم التزموا فيه أن يكون أول حديث يسمعه التلميذ من شيخه ; فإن سمعه منه بعد ما أخذ عنه غيره ؛ لم يمنع ذلك الاستفادة بمقتضاه،وكذا سائرها ;غير أنهم التزموا ذلك على جهة التبرك وتحسين الظن خاصة، وليس بمطرد في جميع الأحاديث النبوية أو أكثرها حتى يقال : إنه مقصود ؛ فطلب مثل ذلك من ملح العلم لا من صلبه» [الموافقات (1/81-82)].
فنبه
رحمه الله على أن رواية المتقدمين لهذه المسلسلات على تلك الوجوه كان على غير قصد، ومخالفة المتأخرين لطريقتهم في قصد تحريها والتعني في استخراجها من أن ذلك القصد لا ينبني عليه عمل
سادسًا:
إنكار العلماء على بعض طلاب الحديث الذين اشتغلوا بطلب الأسانيد الغريبة وانشغالهم بها عهن العمل حتى إن ابن الجوزي عد ذلك من تلبيس إبليس، قال رحمه الله: «من ذلك أن قوما استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث والرحلة فيه، وجمع الطرق الكثيرة، وطلب الأسانيد العالية والمتون الغريبة، وهؤلاء على قسمين قسم قصدوا حفظ الشرع بمعرفة صحيح الحديث من سقيمه وهم مشكورون على هذا القصد، إلا أن إبليس يلبس عليهم بأن يشغلهم بهذا عما هو فرض عين من معرفة ما يجب عليهم والاجتهاد في أداء اللازم والتفقه في الحديث» [تلبيس إبليس(136-137)].
وقال الخطيب:
«إنما كره مالك وابن إدريس وغيرهما الإكثار من طلب الأسانيد الغريبة، والطرق المستنكرة كأسانيد «حديث الطائر»، وطرق «حديث المغفرة» و «غسل الجمعة»، و«قبض العلم»، و «إن هذه الدرجات»، و«من كذب علي متعمدًا»،و«لا نكاح إلا بولي»، وغير ذلك مما يتتبع أصحاب الحديث طرقه، ويُعنون بجمعه؛ والصحيح من طرقه أقلها.
وأكثر من يجمع ذلك الأحداث منهم، فيتحفَّظونها ويُذاكرون بها؛ ولعل أحدهم لا يعرف من الصحاح حديثًا، وتراه يذكر من الطرق الغريبة والأسانيد العجيبة، التي أكثرها موضوع، وجلها مصنوع، ما لا يُنتفع به، وقد أذهب من عمره جزءًا في طلبه.
وهذه العلة؛ هي التي اقتطعت أكثر مَنْ في عصرنا من طلبة الحديث عن التفقه به، واستنباط ما فيه من الأحكام»
[شرف أصحاب الحديث ( 68)].
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين هذا السؤال:
«هناك أمر بين بعض طلبة العلم هو أن بعضهم يحفظ الأسانيد ويرويها ويجلس يشرح في هذه الأسانيد فترة طويلة، ويذكر الرواة ويذكر ما في هذا الحديث حتى أني مرة سمعت في حديث: «إنما الأعمال بالنيات» من بعد صلاة المغرب إلى أذان العشاء ولم يشرح الحديث نفسه فما رأيكم في هذه الطريقة المتبعة عند بعض طلبة العلم؟».
فأجاب بقوله: «الذي نرى أن هذه الطريقة عقيمة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «رب مبلغ أوعى من سامع» فالمهم من السنة هو فقهها ومعرفتها، والرجال والسند ما هو إلا طريق، فإذا كانت الرجال من رجال البخاري و مسلم وهو في الصحيحين مثلًا، فطول الكلام فيه قليل الفائدة وإضاعة للوقت، أما إذا كان الرجال في كتب لم تشتهر بين المسلمين، فهنا يجب أن يبحث الإنسان فيهم»
[لقاء الباب المفتوح(11)].
فقد نبه العلماء أن القصد من رواية الحديث هو الفقه والعمل بالعلم، وأن التكلف في تتبع الروايات الشاذة التي لا تثبت ولا ينتفع بها في العمل أو المبالغة في جمع الطرق ودراسة الأسانيد مع كون الحديث في الصحيحين أن هذا من إضاعة الوقت فيما لا ينفع.

والملاحظ أن الحديث المسلسل بيوم عاشوراء هو حديث أبي قتادة، وقد أخرجه مسلم في صحيحه، ورواية الحديث بالتسلسل فيها انقطاع بل لا تتجاوز المنذري كما تقدم تقريره، فأي فائدة في التكلف في حضور هذه المجالس وسماع هذا السند المنقطع لحديث في صحيح مسلم،بل بلغني أن بعض الطلبة يسافر في ذلك اليوم أو قبله ليشهد حضور ذلك المجلس في مدينة أخرى في يوم عاشوراء،أفليس الأولى في هذا اليوم الاشتغال بالمشروع من الصيام وما يزكو به من الذكر والقراءة أو التفقه في المشروع ليمتثل ومعرفة المحدث ليتجنب ويحذر؟!!
سابعًا: أن عقد هذه المجالس في يوم عاشوراء من كل سنة ـ مع ما فيها من مخالفة التخصيص بغير دليل كما تقدم بيانه ـ ففيها تشبه بأهل البدع فهذه المجالس مشهورة عند الرافضة بهذا الاسم ـ أي «مجالس عاشوراء» ـ حيث تنتشر هذه المجالس في مواقعهم الإلكترونية مع ما تضمنته من مخالفات عقدية بل شركية تحت هذا الاسم، أما المتصوفة فهم يعقدون هذه المجالس بهذا الاسم،وبعضهم يروي فيها هذا الحديث المسلسل بيوم عاشوراء، ومنهم الجفري الضال كما هو معلن في بعض المواقع الإلكترونية
.
فعقد مجالس عاشوراء من قبل أهل السنة فيه تشبه بأهل البدع في التخصيص والاسم، وإن كان لرواية الحديث فإن هذا مما يشاركهم فيه المتصوفة وقد نهينا بالتشبه بأهل البدع وسائر أهل الضلال.

وبهذا يتبين عدم مشروعية عقد هذه المجالس بهذه الكيفية والمداومة عليها إلا أني أنبه - منعًا للبس - أن المحذور من ذلك عقد تلك المجالس والمداومة عليها كل سنة مع إحداث اسم خاص لها وتسميتها بمجالس عاشوراء أو غيره .

أما إن وافق التحديث بهذا الحديث يوم عاشوراء من غير قصد تحري هذا اليوم ولا المداومة، بل كان الشيخ يحدث به في يوم عاشوراء وغيره لمن رغب في سماعه من التلاميذ؛ فقد يحدث به في سنة لوجود المقتضى المتعلق بالفقه والعمل، وقد يترك ذلك سنوات لعدم وجود ذلك المقتضى؛ فلا بأس بذلك ولا مدخل لشبهة الابتداع في هذا الفعل، وإن كان الأولى ترك تتبع هذه الأسانيد الضعيفة والتكلف في الاشتغال بها لما هو أولى من صرف الهمة للتفقه في متن الحديث وجمع طرقه الصحيحة المعينة على فقه الحديث وما يتعلق به من عمل.

وكذا لو ذُكر الناس في يوم عاشوراء ولو كان على وجه الالتزام بالمشروع فيه وكان هذا التذكير من باب التعليم المرشد لامتثال المشروع من غير تعمد ذكر حديث خاص أو سند خاص إلا ما اقتضاه بيان الحكم الشرعي من توجيه لمشروع أو تحذير من ممنوع فلا بأس بهذا بل هذا من نشر العلم بحسب مقتضى الحال، والمبادرة للبيان قبل فوات الأوان.

هذا ما أردت بيانه وتوضيحه نصحا لإخواننا من أهل السنة الذين يغبطون على حرصهم على السنة والعناية بروايتها وتحملها مما استوجب النصح لهم محبة وإشفاقًا وأداءً لحقهم ووفاءً.

والله تعالى أسأل كما وفق لهذا العمل بجوده وكرمه أن يتقبله بواسع فضله ومنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه
).


   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
عدد الزوار
انت الزائر :140965
[يتصفح الموقع حالياً [ 8
الاعضاء :0الزوار :8
تفاصيل الزوار
تغريدات الشيخ
احصائيات الموقع
جميع المواد : 1278
عدد المحاضرات : 1120
عدد المقالات : 0
عدد الكتب : 19
عدد التعليقات : 0
عدد المشاركات : 0
موايت الصلاة