WOWSlider ترجمة الشيخ

كلمة توقير العلماء وعدم متابعتهم في الأخطاء

عرض المادة
كلمة توقير العلماء وعدم متابعتهم في الأخطاء
1230 زائر
18-02-2015
الشيخ إبراهيم الرحيلي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ورسوله الأمين ،وعلى من اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين .
وبعد...

فهذه الكلمة الشهرية الخامسة من السنة الثانية، وهي كلمة شهر شعبان؛ بعد انقطاع منع من مواصلة سلسلة هذه الكلمات في الأشهر الثلاثة الماضية ؛وذلك لتزاحم الأعمال العلمية والإدارية، فنسأل الله عز وجل أن يجبر تقصيرنا ويتجاوز عن ذنوبنا .

وهذه الكلمة هي بعنوان :( توقير العلماء وعدم متابعتهم في الأخطاء) .

فالعلماء ورثة الأنبياء ،وهم عدول الأمة في كل عصر وخيار الناس وأبصرهم بالحق وأقوهم به ،وهم مرجع الناس في معرفة دينهم فموالاته على الحق واجبة والتأسي بهم في الدين سبيل نجاة وتوقيرهم واحترامهم سنة متبعه وقد كان السلف رضي الله عنهم في معاملة العلماء على أكمل هدي قد اتسم منهجهم في معاملة العلماء بحفظ أصلين عظيمين يمثلان الاعتدال في معاملة العلماء والتوسط بين أهل الغلو والجفاء .

فالأصل الأول: هو توقير العلماء واحترامهم ؛ لما شرفهم الله به من العلم وما خصهم به من الفضل.

والأصل الثاني: تجنب زلاتهم وعدم متابعتهم في أخطائهم .

ومما نقل عنهم في تحقيق الأصل الأول وهو توقير العلماء وإجلالهم.
عن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ"صحيح البخاري (6 / 156).
وعَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: ذَهَبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لِيَرْكَبَ وَوَضَعَ رِجْلَيْهِ فِي الرِّكَابِ , فَأَمْسَكَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالرِّكَابِ , فَقَالَ: تَنَحَّ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ , قَالَ: «لَا هَكَذَا يُفْعَلُ بِالْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءُ» الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2 / 197).
وعن يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: «رَأَيْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَكَانَ بِأَصْحَابِهِ مِنَ الْإِعْظَامِ لَهُ وَالتَّوْقِيرِ لَهُ، وَإِذَا رَفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ صَاحُوا بِهِ، وَكَانَ إِلَى الْأُدْمَةِ مَا هُوَ».
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1 / 182).
وعن يحيى بن يحيى قال: "أخذت بركاب الليث فأراد غلامه أن يمنعني فقال الليث: دعه ثم قال لي: خدمك العلم قال: فلم تزل بي الأيام حتى رأيت ذلك".
سير أعلام النبلاء (8 / 518).
وعن ِإدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: قَالَ لِي سَلَمَةُ بْنُ عَاصِمٍ: أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ كِتَابَ الْعَدَدِ مِنْ خَلَفٍ "، فَقُلْتُ لِخَلَفٍ: قَالَ: فَلْيَجِئْ، فَلَمَّا دَخَلَ رَفَعَهُ لِأَنْ يَجْلِسَ فِي الصَّدْرِ، فَأَبَى، وَقَالَ: لَا أَجْلِسُ إِلَّا بَيْنَ يَدَيْكَ، وَقَالَ: هَذَا حَقُّ التَّعْلِيمِ، فَقَالَ لَهُ خَلَفٌ: جَاءَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَسْمَعُ حَدِيثَ أَبِي عَوَانَةَ، فَاجْتَهَدْتُ أَنْ أَرْفَعَهُ، فَأَبَى وَقَالَ: «لَا أَجْلِسُ إِلَّا بَيْنَ يَدَيْكَ، أُمِرْنَا أَنْ نَتَوَاضَعَ لِمَنْ نَتَعَلَّمَ مِنْهُ».
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1 / 198).
وقال الربيع صاحب الشافعي رحمهما الله:" ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له".التبيان في آداب حملة القرآن (ص: 47).
وعن محمد بْن حمدون بْن رُسْتُم: سَمِعْتُ مُسلْمِ بْن الحَجّاج يَقُولُ للبخاري:" دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله".تاريخ الإسلام (19 / 247).
هكذا كان السلف يعاملون علماءهم بهذه الاخلاق الرفيعة وعلى هذا القدر الكبير من التبجيل والتوقيرمع إظهار المحبة والمودة والتواضع بين يدي الشيخ فنالوا بهذا الفضل العظيم.

فهؤلاء التلاميذ الذين ننقل أخبار تأدبهم مع شيوخهم في حال الطلب هم أئمة المسلمين بعد ذلك تواضعوا للعلم فرفعهم الله واجتهدوا في الطلب ففقهم الله.

ومما جاء عنهم من الأقوال في الحث على توقير العلماء واحترامهم قول علي رضي الله عنه :" «من حق العالم ألا تكثر عليه بالسؤال، ولا تعنته بالجواب وأن لا تلح عليه إذا كسل ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره وتعظمه لله ما دام يحفظ أمر الله، ولا تجلسن أمامه وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته»
.جامع بيان العلم وفضله (1 / 519).
وقال رضي الله عنه: " من حق العالم عليك إذا أتيته أن تسلم عليه خاصة وعلى القوم عامة وتجلس قدامه، ولا تشر بيديك , ولا تغمز بعينيك، ولا تقل: قال فلان خلاف قولك، ولا تأخذ بثوبه , ولا تلح عليه في السؤال؛ فإنه بمنزلة النخلة المرطبة لا يزال يسقط عليك منها شيء".
جامع بيان العلم وفضله (1 / 580).
وقال طاوس، عن أبيه قال: "من السنة أن يوقر العالم"

وقال ابن عبد البر :" وحقيق على من جالس عالما أن ينظر إليه بعين الإجلال وينصت له عند المقال وأن تكون مراجعته له تفهماً ولا تعنتاً وبقدر إجلال الطالب للعالم ينتفع بما يفيد من علمه".
جامع بيان العلم وفضله (1 / 519) .
وقال الخطيب :"وَإِذَا خَاطَبَ الطَّالِبُ الْمُحَدِّثَ عَظَّمَهُ فِي خِطَابِهِ بِنِسْبَتِهِ إِيَّاهُ إِلَى الْعِلْمِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَيُّهَا الْعَالِمُ، أَوْ أَيُّهَا الْحَافِظُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ".
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1 / 182).
وقال النووي:"وعليه أن ينظر إلى معلمه بعين الاحترام ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على طبقته فإنه أقرب إلى انتفاعه به ".
التبيان في آداب حملة القرآن(ص:47).
وقال ابن الصلاح:"ينبغي للمستفتي أن يحفظ الأدب مع المفتي ويبجله في خطابه وسؤاله، ونحو ذلك ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يقول له: ما تحفظ في كذا وكذا؟ وما مذهب إمامك الشافعي في كذا وكذا؟ "ولا يقل" إذا أجابه: هكذا قلت أنا، "أو" كذا وقع لي0، ولا يقل له: أفتاني فلان، أو أفتاني غيرك بكذا وكذا. ولا يقل إذااستفتى في رقعة: إن كان جوابك موافقًا لما أجاب فيها فاكتبه، وإلا فلا تكتب".
أدب المفتي والمستفتي (ص: 168).
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّورِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْغَنِيِّ بْنَ سَعِيدٍ الْحَافِظَ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ: مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْأَدْفَوِيُّ النَّحْوِيُّ , يَقُولُ: " إِذَا تَعَلَّمَ الْإِنْسَانُ مِنَ الْعَالِمِ , وَاسْتَفَادَ مِنْهُ الْفَوَائِدَ , فَهُوَ لَهُ عَبْدٌ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} [الكهف: 60] وَهُوَ يُوشَعُ بْكنُ نُونٍ , وَلَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ , وَإِنَّمَا كَانَ مُتَلْمِذًا لَهُ , مُتَّبِعًا لَهُ , فَجَعَلَهُ اللَّهُ فَتَاهُ لِذَلِكَ ".الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2 / 197).
والأصل الثاني: تجنب زلاتهم وعدم متابعتهم في أخطائهم .

وقد نبه أئمة السلف والعلماء بعدهم على هذا الأصل فمما جاء عنهم في ذلك: قول زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: قَالَ لي عُمَرُ : هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الإِسْلاَمَ؟ قَالَ قُلْتُ : لاَ. قَالَ : يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ.
أخرجه الدارمي بسند صحيح-برقم( 214) ، (649).
وعن الحسن، قال: قال أبو الدرداء: إن فيما أخشى عليكم: زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق، وعلى القرآن منار كأعلام الطريق" .
جامع بيان العلم وفضله (2 / 223).
وقال معاذ بن جبل:" يا معشر العرب، كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم، وزلة عالم، وجدال منافق بالقرآن. فسكتوا، فقال: أما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن افتتن فلا تقطعوا منه أناتكم، فإن المؤمن يفتتن ثم يتوب، وأما القرآن فله منار كمنار الطريق لا تخفى على أحد فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه وما شككتم فكلوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل الله الغنى في قلبه فقد أفلح ومن لا فليس بنافعته دنياه" .
جامع بيان العلم وفضله (2 / 224).
وقال ابن عباس:" ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئا برأيه، ثم يجد من هو أعلم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- منه فيترك قوله ذلك ثم تمضي الأتباع" .
جامع بيان العلم وفضله (2 / 226).
وقال يحيى بن سعيد القطان: " لو أن رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة في السماع يعني الغناء وأهل مكة في المتعة كان به فاسقا"
مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله (1 / 449).
وقال رجل للإمام أحمد: "إن ابن المبارك قال كذا، فقال: إن ابن المبارك لم ينزل من السماء"
الفروع لابن مفلح(11/16).
وقال ابن عبد البر: "وشبه الحكماء زلة العالم بانكسار السفينة، لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير. وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه".
جامع بيان العلم وفضله (2 / 225).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء، كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل، فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطئوا، كما قال تعالى:
{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال الله قد فعلت، وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا نتبع من دونه أولياء، وأمرنا أن لا نطيع مخلوقا في معصية الخالق".الفتاوى الكبرى(4/473).
وقال ابن القيم: "إن العالم قد يزل ولا بد إذ ليس بمعصوم فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض وحرموه وذموا أهله وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم .... ومن المعلوم أن المخوف في زلة العالم تقليده فيها إذ لولا التقليد لم يخف من زلة العالم على غيره. فإذا عرف أنها زلة لم يجز له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين فإنه اتباع للخطأ على عمد ومن لم يعرف أنها زلة فهو أعذر منه وكلاهما مفرط فيما أمر به".
إعلام الموقعين - (2 / 192)
وقال الشاطبي:"إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بهاتقليداً له وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع ولذلك عدة زلة ، وإلا فلو كانت معتداً بها لم يجعل لها هذه الرتبة ولا نسب صاحبها إلى الزلل فيها ".
الموافقات (5/136).
وقال شهاب الدين القرافي:"كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فيه فتواه على خلاف الإجماع أو القواعد أو النص،أو القياس الجلي ، السالم عن المعارض الراجح، لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى "
. الفروق(2/197).
فبحفظ هذين الأصلين يتحقق الخير بطرفيه؛ وهما التجرد للحق واحترام أهل العلم، وتحصل السلامة من الفتنتين العظيمتين التي ابتلي بها خلق كثير قديماً وحديثاً وهما رد الحق بزلات العلماء أو الطعن في العلماء بدعوى التجرد للحق، والموفق من وفقه الله وهداه.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.
   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
عدد الزوار
انت الزائر :137254
[يتصفح الموقع حالياً [ 7
الاعضاء :0الزوار :7
تفاصيل الزوار
تغريدات الشيخ
احصائيات الموقع
جميع المواد : 1278
عدد المحاضرات : 1120
عدد المقالات : 0
عدد الكتب : 19
عدد التعليقات : 0
عدد المشاركات : 0
موايت الصلاة