WOWSlider ترجمة الشيخ

كلمة الإنصاف والأمر به وفضله

عرض المادة
كلمة الإنصاف والأمر به وفضله
1283 زائر
18-02-2015
الشيخ إبراهيم الرحيلي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد...
فهذه الكلمة الشهرية الرابعة من السنة الثانية ، وهي كلمة شهر ربيع الثاني ،مع الاعتذار عن تأخرها كسابقتها ، وهي في الإنصاف والأمر به وفضله.
والإنصاف مصدر أنصف ينصف ،وهو مأخوذ من مادة:(ن،ص،ف)،"وهى تدل على معنين: أحدهما:شطر الشيء ،والآخر على جنس من الخدمة والاستعمال"([1]) .
والإنصاف في المعاملة يرجع إلى المعنى الأول ،وهو بمعنى العدل ،وكأن المنصف قد رضي لنفسه بالنصف ولغيره بالنصف ،كما أن العدل أن يجعل لنفسه عدل ما لغيره أو أن يعدل بين الخصمين .
وقد فُسر الإنصاف بأن تعطي غيرك من الحق الذي تحب أن تأخذه منه لو كنت مكانه ،ويكون ذلك بالأقوال والأفعال([2]) .
والفرق بين الإنصاف والتجرد للحق أن الإنصاف متعلق بالمعاملة وما من شأنه الحكم وإعطاء الحقوق وأما التجرد للحق فهو أعم فيكون في تقرير العلم وبيان الصواب في كل أمر من الأمور بما في ذلك الحكم بين الناس والإنصاف من النفس.
وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على الأمر بالإنصاف والترغيب فيه.
ومن ذلك قول الله عز وجل : ]يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [ ([3]).
قال ابن كثير
:" يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي بالعدل، فلا يعدلوا عنه يميناً ولا شمالاً ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه"([4]).
فقد أمر الله عز وجل عباده بالقسط والعدل ، ثم قال ]ولو على أنفسكم[ فدل على الإنصاف من النفس .
قال ابن كثير في قوله تعالى : ]ولو على أنفسكم[ :" أي: اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه، وإن كان مضرة عليك"([5]).
ومما جاء في السنة من الأمر بالإنصاف ما رواه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: «وجدنا في قائم سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: اعفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَصِلْ مَنْ قطعك، وأحْسِنْ إلى من أساء إليك، وقُلِ الحقَّ وَلَوْ على نَفْسك» ([6]).
ففيه الأمر بقول الحق ولو كان على النفس ، وهذا حقيقة الإنصاف.
ومما جاء عن السلف وأهل العلم من بعدهم في مدح الإنصاف والترغيب فيه والحث عليه :
قول عمار بن ياسر t:"ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان :الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار"([7]).
وقال الإمام مالك في الإنصاف:"لم أجد في الناس أقل منه فأردت المداومة عليه"([8])
وقال ابن عبد البر :"من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه ، ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم"([9]).
وقال ابن المقفع:"أعدل السير أن تقيس الناس بنفسك فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك "([10])
وقال ابن حزم :"من أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه فإنه يلوح له وجه تعسفه"([11]).
وقال ابن القيم :"والإنصاف أن تكتال لمنازعك بالصاع الذي تكتال به لنفسك فإن في كل شيء وفاءً وتطفيفا "([12]).
وقال الزيلعي:"ما تحلى طالب العلم بأحسن من الإنصاف وترك التعصب"([13])
وقد كان السلف يلتزمون الإنصاف في أحكامهم ومعاملتهم للناس حتى مع وجود الاختلاف والخصومة ولهذا شواهد كثيرة من سير السلف فمن ذلك:
ما جاء في صحيح البخاري «أنه حصل بين أبي بكر وعمر شيء من الاختلاف ثم ندم أبو بكر فاعتذر لعمر فلم يقبل ثم جاء للنبي r وأخبره بما حصل فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَعَّرُ، حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي» مَرَّتَيْنِ، فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا» ([14]).
وهذا من إنصاف أبي بكر t حيث صرح بأنه أظلم وأقسم على ذلك ومما لا يخفى أن الإنصاف في هذا المقام عزيز خاصة بعد غضب النبي r من أجله ونصرته له وقوله : « هل أنتم تاركو لي صاحبي ».
وهذا من اعتراف عمر بفضل أبي بكر وتقدمه عليه في المنزلة ومحبة رسول الله r مع قرب عمر من أبي بكر في المنزلة ومع ما كان بينهما من منافسة في الخير .
ومن الإنصاف ما جاء عن علي t من طريق إسحاق بن راهوية بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: (سمع علي يوم الجمل أو يوم صفين رجلاً يغلو في القول فقال: لا تقولوا إلا خيراً إنما هم قوم زعموا إنا بغينا عليهم، وزعمنا أنهم بغوا علينا فقاتلناهم) .
وهذا من إنصافه t لإخوانه من الصحابة الذين قاتلوه في موقعتي الجمل وصفين وهو يقول هذا t مع اختلافه معهم في الاجتهاد ومع وجود الاقتتال ، والإنصاف في مثل هذا المقام عزيز فإن الكثير من الناس يفجر في الخصومة ويبغي على صاحبه بالقول والفعل .
ومن الإنصاف ثناء علي t على عائشة رضي الله عنها وثنائها عليه بعد موقعة الجمل مع ما دار بينهما من اقتتال في تلك المعركة على ما أورد الطبري من طريق محمد بن عبد الله بن سواد وطلحة بن الأعلم قالا:"جهز علي عائشة بكل شيء ينبغي لها من مركب أو زاد أو متاع ... فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه، جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس، فخرجت على الناس وودعوها، وقالت: يابَنيّ تعتب بعضنا على بعض استبطاءً واستزادة فلا يعتدّن أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك، إنه والله ما كان بيني وبين عليّ في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي على معتبتي من الأخيار. وقال علي: يا أيها الناس، صدقت والله وبرت ما كان بيني وبينها إلا ذلك وإنها لزوجة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا والآخرة»([15]) .
وهذا الحوار دار بين علي وعائشة رضي الله عنها بعد موقعة الجمل مع شدة الاختلاف ، ومع ما حصل من الاقتتال العظيم بين الطائفتين ، ومع هذا قال كل منهما في الآخر ما قال فلله درهما من بررة أتقياء .
ومن هذا أيضا ما ثبت عن عمارt وقد كن من أصحاب علي يوم الجمل على ما أورده البخاري من طريق أبي وائلْ قال:"قَامَ عَمَّارٌ، عَلَى مِنْبَرِ الكُوفَةِ، فَذَكَرَ عَائِشَةَ، وَذَكَرَ مَسِيرَهَا، وَقَالَ: «إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا ابْتُلِيتُمْ»([16])
وفي رواية أن عماراً سمع رجلاً يسب عائشة فقال :"اسكت مقبوحا منبوحا والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة "([17]).
قال ابن هبيرة:"وفي هذا الحديث أن عمارا صادق اللهجة وكان لاتستخفه الخصومة إلى أن ينتقص خصمه فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من الحرب "([18])
وقال ابن حجر:" كان ذلك يعد من إنصاف عمار وشدة ورعه وتحريه الحق"([19])
ومن هذا ما جاء عن معاوية t من رواية أبي مسلم الخولاني أنه جاء وأناس معه إلى معاوية وقالوا: «أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: لا والله إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً، وأنا ابن عمه والطالب بدمه فأتوه، فقولوا له فليدفع إليّ قتلة عثمان وأسلم له"([20]).
ومن الإنصاف قول الإمام أحمد في إسحاق بن راهوية لم يعبر الجسر إلى خسران مثل إسحاق وإن كان يخالفنا في أشياء ([21])
ومن إنصاف السلف رضي الله عنهم اعتراف كل واحد منهما لأخيه بالخيرية وتفضيله له على نفسه ولهذا شواهد كثيرة منها .
ومن هذا قول عمر في أبي بكر :" كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَحَبَّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان خيرنا وسيدنا"([22]).
من هذا ما أورده ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق أَبِي زِيَادٍ، قَالَ: " شَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ جَدْيًا لَهُمْ فِي التَّنُّورِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْرِجُوهُ لَنَا لَا يَفْتِنَّا فِي الصَّلَاةِ، فَأَخْرَجُوهُ، فَأَكَلُوا مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ تَوَضَّأَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَأَكَلْنَا رِجْسًا؟ " قَالَ: " فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي وَأَعْلَمُ، ثُمَّ صَلَّوْا "([23]).
وعَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبِو قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لِعَمَّارٍ وَمَسَحَ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ: «بُؤْسًا لَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ»([24]).
وعن حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْمِنْهَالِ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ: سَأَلْتُ هَذَا، فَقَالَ: ائْتِ فُلَانًا، فَإِنَّهُ خَيْرٌ مِنِّي وَأَعْلَمُ، وَسَأَلْتُ الْآخَرَ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ، "([25]).
وقال عبد الوهاب الثقفي سمعت ابن عون يقول عليكم بأيوب فإنه أعلم مني"قال وسمعت يونس يقول: عليكم بأيوب فإنه أعلم مني"([26]).
ونقل الذهبي عن إسحاق بن راهوية قال في أبي عبيد القاسم بن سلام "إن الله لا يستحي من الحق أبو عبيد أعلم مني،ومن ابن حنبل والشافعي"([27]) .
فعلى طلاب العلم التحلي بهذه الخصلة العظيمة،وتجنب ما يضادها من اتباع الهوى ،والتعصب للنفس أو لقريب .
وليعلم أنه ما بلغ من بلغ من ذوي العلم والفضل إلا بالإنصاف من النفس ، والبعد عن اتباع الهوى ، كما تقدمت بذلك الآثار عن السلف الدالة على تحقيقهم لهذا الأمر،وملازمتهم له ،وأولى الناس بذلك المنتسبون لمنهج السلف الصالح ،والمتمسكون بعقيدتهم ؛ فإن مخالفتهم في ذلك منفرة من عقيدة السلف ،والانتساب إليها عند من لا يعرف حقيقتها ، وإنما يحكم عليها بأخلاق المنتسبين إليها ، ومن هنا تعظم المسؤولية على كل منتسب لمنهج السلف ،وهذا مما يتطلب العناية بامتثال منهج السلف في هذه الخصلة وغيرها ،وأن يكون قدوة للناس في أخلاقه ومعاملاته وأحكامه والحذر من أن يكون منفراً عنها بمخالفاته وسلوكه


([1]) مقاييس اللغة (5 / 431) .
([2]) نضرة النعيم (3/577)
([3]) سورة النساء،135.
([4])تفسير ابن كثير (2 / 433).
([5]) تفسير ابن كثير (2 / 433).
([6]) أورده الأعرابي في معجمه (2 / 744)، وقال الألباني :"صحيح" .صحيح الجامع الصغير وزيادته (2 / 704).
([7])صحيح البخاري (1 / 15) .
([8]) الديباج المذهب (1/96).
([9]) جامع بيان العلم وفضله(ص:208).
([10]) الأدب الصغير والأدب الكبير(ص:73).
([11]) الأخلاق والسير (ص:80).
([12]) تهذيب السنن(1/122).
([13]) نصب الراوية (1/355).
([14]) رواه البخاري في صحيحه (5 / 5) ،برقم(3661).
([15]) تاريخ الطبري 4/544
([16]) صحيح البخاري (9 / 56).
([17]) أورده ابن كثير في النهاية (7/248).
([18]) فتح الباري(13/59).
([19]) فتح الباري(13/58).
([20]) أورده ابن كثير في البداية والنهاية(8/132)،وأخبر أنه ورد عن أبي مسلم من أكثر من وجه.
([21]) سير أعلام النبلاء(11/371).
([22]) صحيح ابن حبان (15 / 278).
([23])مصنف ابن أبي شيبة (1 / 53).
([24])السنن الكبرى للنسائي (7 / 468). حلية الأولياء (7 / 198).
([25]) مسند أحمد (32 / 74).
([26]) شرح علل الترمذي(1/161).
([27]) سير أعلام النبلاء(10/500).
   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
عدد الزوار
انت الزائر :137254
[يتصفح الموقع حالياً [ 7
الاعضاء :0الزوار :7
تفاصيل الزوار
تغريدات الشيخ
احصائيات الموقع
جميع المواد : 1278
عدد المحاضرات : 1120
عدد المقالات : 0
عدد الكتب : 19
عدد التعليقات : 0
عدد المشاركات : 0
موايت الصلاة