WOWSlider ترجمة الشيخ

كلمة الإخلاص وفضله

عرض المادة
كلمة الإخلاص وفضله
2117 زائر
18-02-2015
الشيخ إبراهيم الرحيلي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على رسوله الكريم، نبينا محمد ،وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد...
فهذه الكلمة الشهرية الثانية من السنة الثانية لافتتاح الموقع ،وهي كلمة شهر صفر،مع الاعتذار لرواد الموقع عن تأخرها ؛-بسبب بعض الارتباطات العلمية- وهي في فضل الإخلاص ،والحرص عليه ، وتوقي ما يضاده من الشرك.
منزلة الإخلاص من الدين،وفضله:

الإخلاص أصل عظيم من أصول هذا الدين ؛بل عليه مدار هذا الدين وقوامه ،إذ الدين مبناه على تحقيق العبادة التي خلق الإنسان من أجلها ،ولا حقيقة للعبادة إلا بالإخلاص ،فالإخلاص في العبادة بمنزلة الروح من الجسد ،وحياة الإنسان باقية ما بقيت روحه في جسده فإذا فارق الروح الجسد مات الإنسان ،وأصبح جثة هامدة،وكذا العمل إذا فارقه الإخلاص فلا قيمة له ،بل لا يسمى عملاً صالحاً إلا بالإخلاص، وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على تقرير هذا الأصل العظيم ،والدعوة إليه. قال تعالى: ]وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء[ البينة: 5.
و قال تعالى: ]قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً[ الكهف: 110.
فبين الله في الآية الأولى أنه ما أمر العباد إلا بالإخلاص في الدين وهذا يتضمن الإخلاص في كل شعب الإيمان التي شرعها الله لنا في هذا الدين من الاعتقادات والأقوال والأعمال ،وفي الآية الثانية نهى عن الشرك الذي هو مضاد للإخلاص وأوضح أن ثواب الله عز وجل إنما يكون لمن لقي الله يوم القيامة بالإخلاص في العمل السالم من الشرك وشوائبه والمتابعة فيه لنبيهr بما شرع .
كما جاء تقرير هذا الأصل من السنة في حديث عمر بن الخطابt المشهور الذي أخرجه الشيخان يقول النبي صلى الله عليه وسلم :«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» صحيح البخاري (1 / 6).
قال الخطابي
:" معناه أن صحة الأعمال ووجوب أحكامها إنما يكون بالنية فإن النية هي المصرفة لها إلى جهاتها" معالم السنن (3 / 244).
وقال الحافظ ابن رجب
:" (الأعمال بالنيات) الأعمال صالحة، أو فاسدة، أو مقبولة، أو مردودة، أو مثاب عليها، أو غير مثاب عليها بالنيات، فيكون خبرا عن حكم شرعي، وهو أن صلاح الأعمال وفسادها بحسب صلاح النيات وفسادها" جامع العلوم والحكم (1 / 65) .ولذا كان السلف يعظمون هذا الحديث ،ويستشعرون عظم ما دل عليه ،فقد حدث يزيد بن هارون بهذا الحديث عند الإمام أحمد فقال ليزيد :"يا أبا خالد هذا الخناق" جامع العلوم والحكم (1 / 64).
وقال ابن عبد البر:" وهذا يقتضي أن يكون كل عمل بغير نية لا يجزئ" الاستذكار (1 / 264).
عناية السلف بالإخلاص:

ولما كان الإخلاص بهذه المكانة من الدين كان من أبرز سمات منهج السلف حيث كان محل عنايتهم واهتمامهم بل كان النظر فيه وتحقيقه هو مبلغ قصدهم ،ومنتهى مطلبهم ولهذا كثرت أقوالهم ،وتنوعت عباراتهم فيه ما بين وصف لحقيقته أو حث عليه والترغيب فيه أو التحذير مما يضاده من الشرك والرياء إلى جانب ما نقل عنهم من سير عطره في امتثالهم له وضربهم أروع الأمثلة في إخفاء الأعمال بغية تحقيقه على وجه الكمال وتخليصه من شوائب النقص والخلل.
أقوال السلف في بيان حقيقة الإخلاص:

ومما جاء عنهم في بيان حقيقة الإخلاص.
قول أبي إدريس
:" ما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمده أحد على شئ من عمل الله عز وجل" تاريخ دمشق (23 / 419).
وقال الفضيل
: ترك العمل من أجل الناس: رياء. والعمل من أجل الناس: شرك. والإخلاص: أن يعافيك الله منهما.
وقال الجنيد
: الإخلاص سر بين الله وبين العبد. لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده. ولا هوى فيميله.
وقال مكحول
: ما أخلص عبد قط أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.
وقال أبو سليمان الداراني
: إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2 / 92).
وعن أبي يعقوب السوسي
:" قال متى شهدوا في إخلاصهم الاخلاص احتاج إخلاصهم إلى إخلاص.
وعن حذيفة المرعشي
:" قال الاخلاص أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن. بستان العارفين للنووي (ص: 27) .
وعن الْكَتَّانِيَّ،
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ، يَقُولُ: وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْإِخْلَاصِ، فَقَالَ: " الْخَالِصُ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا يُحِبُّ أَنْ يَحْمَدَهُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ " شعب الإيمان (9 / 184).
وقال سَهْل
:" نظر الْأَكْيَاسُ فِي تَفْسِيرِ الْإِخْلَاصِ، فَلَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذَا أَنْ يَكُونَ حَرَكَاتُهُ وَسُكُوتَهُ فِي سَرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَا يُمَازِجُهُ شَيْءٌ نَفْسٌ، وَلَا هَوًى، وَلَا دُنْيَا " شعب الإيمان (9 / 184).
قَالَ الشَّافِعِيُّ
" لَوْ جَهَدْتَ كُلَّ الْجَهْدِ عَلَى أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ كُلَّهُمْ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَخْلِصْ عَمَلَكَ وَنِيَّتَكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " " شعب الإيمان (9 / 201).
أقوال السلف في الحث على الإخلاص:

ومما جاء عنهم في الحث على الإخلاص، ما جاء عن الضحاك بن قيس أنه كان يقول أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص فإذا أحدكم أعطى عطية أو عفا عن مظلمة أو وصل رحمه فلا يقولن هذا لله بلسانه ولكن يعلم بقلبه" تاريخ دمشق (24 / 282).
وعن بلال بن سعد
أنه كان يقول لا تكن ولياً لله في العلانية عدوا لله في السر" سير أعلام النبلاء ط الحديث (9 / 407) .
وقَالَ حَاتِمٌ: " اطْلُبْ نَفْسَكَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: الْعَمَلِ الصَّالِحِ بِغَيْرِ رِيَاءٍ، وَالْأَخْذِ بِغَيْرِ طَمَعٍ، وَالْعَطَاءِ بِغَيْرِ مِنَّةٍ، وَالْإِمْسَاكِ بِغَيْرِ بُخْلٍ " شعب الإيمان (9 / 182).عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمِيَّ، قال: سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: " لَيْسَ الْفَوْزُ هُنَاكَ بِكَثْرَةِ الْأَعْمَالِ، إِنَّمَا الْفَوْزُ هُنَاكَ بِإِخْلَاصِ الْعَمَلِ وَتَحْسِينُهُ ".
اجتهاد السلف في تحقيق الإخلاص:

وأما ما جاء عن السلف في تحقيق الإخلاص والاجتهاد في ذلك وغاية التوقي مما يضاده من الرياء والسمعة فلذلك عدة صور من سيرهم وهديهم.
فمن ذلك تنزههم عن تزكية النفس بالإخلاص ودعوى تحقيقه.
ومما ورد عنهم في ذلك قول هشام الدستوائي:"والله ما أستطيع أن أقول:إني ذهبت يوماً قط أطلب الحديث أريد به وجه الله عز وجل" سير أعلام النبلاء ط الحديث (1 / 46) .
قال وكيع :
" ما نعيش إلا في سُتْرَةٍ، ولو كشف الغطاء، لكشف عن أمر عظيم، الصدق النية" سير أعلام النبلاء ط الحديث (7 / 568).
.وعن الفضيل بن عياض
أنه قال :"لو حلفت أني مراء كان أحب إلي من أحلف أني لست مراء" سير أعلام النبلاء ط الحديث (7 / 401)
وقال يوسف بن الحسين
: أعز شيء في الدنيا: الإخلاص. وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي. فكأنه ينبت على لون آخر.
وسئل الإمام أحمد :"هل طلبتم العلم لله ؟قال:(أما لله فعزيز ،ولكن شيء أحببناه فتعلمناه)" روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 69) .
ومن صور عنايتهم بالإخلاص وتحقيقه ،ومبالغتهم في إخفاء العمل ،والتستر عليه:إخفاء السلف للأعمال الصالحة مبالغة في تحقيق الإخلاص:
وقد كان من حرص السلف على تحقيق الإخلاص،وسد الذرائع المفضية إلى الإخلال به إخفاؤهم للأعمال الصالحة ،والحرص على أدائها في السر فيما بينهم،وبين الله.
ومما جاء عنهم في ذلك:
عن بكر بن ماعز قال :"ما رأي الربيع متطوعاً في مسجده قط إلا مرة واحدة".
وعن سفيان قال: أخبرتني مرية الربيع بن خيثم قالت:" كان عمل الربيع كله سرا ،إن كان ليجيء الرجل ،وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه ".
وكان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به،ويقول:"إن صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل "
و عن الأعمش قال:"بكى حذيفة في صلاته فلما فرغ ألتفت فإذا رجل خلفه فقال:لا تعلمن بهذا أحدا " الرياء (ص: 175) .
وعن حماد بن زين قال:"ذكر أيوب يوما شيئا فرق فالتفت كأنه يمتخط ثم أقبل علينا فقال:إن الزكام لشديد على الشيخ" ذم الرياء( ص:181).
وعن محمد بن واسع قال:"إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة ومعه امرأته ما تعلم به" ذم الرياء (ص:176).
وعن إبراهيم التيمي قال:" كانوا يكرهون أن يخبر الرجل بما خفي من عمله" ذم الرياء (ص:244).
ومن صور عنايتهم بالإخلاص أنهم يكرهون الشهرة سدا لذريعة الرياء وانصراف الوجوه إليهم:
فمما جاء عنه في ذلك :عن حبيب بن أبي ثابت قال:"خرج ابن مسعود ذات يوم فاتبعه ناس فقال لهم :ألكم حاجة ؟قالوا :لا.ولكن أردنا أن نمشي معك قال:ارجعوا فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع" أخلاق السلف( ص:23).
وعن الحسن قال:كنت مع ابن المبارك يوماً فأتينا على سقاية والناس يشربون منها فدنى نتها ليشرب ولم يعرفه الناس فزحموه ودفعوه،فلما خرج قال لي ما العيش إلا هكذا يعني حيث لم نعرف ولم نوقر". صفة الصفوة(4/135).
وعن عبد الله بن المبارك أنه قال:"كن محبا للخمول كراهية الشهرة ولا تظهر من نفسك أن تحب الخمول فترفع نفسك فإن دعواك الزهد من نفسك هو خروج من الزهد لأنك تجر إلى نفسك الثناء والمدح". صفة الصفوة 4(/137).
الحث على التأسي بالسلف في الحرص على الإخلاص:

فعلى العاقل الكيس إذا أراد اللحاق بهؤلاء الرجال أن يتأسى بهم في شدة حرصهم على الإخلاص والمبالغة في الفرار من الآفات التي تذهب به ،أو تنقص أجره من شرك ورياء وسمعة وحب الدنيا والعمل لها،وإن مما يعين المسلم على ذلك أن يستشعر خطورة الأمر في ذهاب الإخلاص فإن العمل بالإخلاص يكون أفضل القرب إلى الله وإذا ما فقده كان شركا مخرجا من الملة موجبا للخلود في النار إن كان من قبيل الشرك الأكبر ومحبطا للعمل الذي خالطه إن كان من قبيل الشرك الأصغر.
وإذا كان السلف في تلك العصور الفاضلة ،ومع ما كانوا عليه من المراتب العالية في العلم والعمل يخشون على أنفسهم من فقد الإخلاص ،ويبذلون كل الأسباب في تحقيقه فحري بنا في هذه العصور المتأخرة عصور الفتن والإقبال على الدنيا وضعف المراقبة في عامة الناس إلا من رحم الله أن نخشى على أنفسنا أعظم مما كانوا عليه .
الترغيب في الإخلاص،وعظم ثوابه عند الله:

كما أن مما يرغب في الإخلاص ما أعد الله من الثواب العظيم لأصحابه يوم القيامة قال تعالى: ] وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ [ الصافات: 39 – 45.
فهذا الثواب أهل الإخلاص الذين أخلصوا لله أعمالهم ،وهذا على قراءة من قرأ بكسر اللام في( المخلصين )،وهي قراءة متواترة وبها قرأ جمع من القراء وهم (ابن كثير ،وأبو عمر،وابن عامر،ويعقوب).
كما أن من ثمار الإخلاص،وبركته أن صاحبه مأجور مع الاجتهاد في الطاعة ،وإن قصر أو ضعف عن العمل ،ولذا قال يحيى بن كثير : " تعلموا النية، فإنها أبلغ من العمل". جامع العلوم والحكم (1 / 70).
ومن شؤم فقد الإخلاص أن صاحبه آثم على كل حال ولو تقرب بأفضل الأعمال ،ولذا توعد الله المرائين في الصلاة بقوله ] فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [ الماعون:4-7.
فتأمل كيف توعد الله المصلين المرائين بالويل مع فضل الصلاة ،وعظم قدرها في الدين.كما أن من ثمار الإخلاص في الدنيا أنه الله تعالى يعصم به صاحبه من الفواحش والمعاصي.قال تعالى في قصة يوسف ] كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [ يوسف: 24
وهذا على قراءة ابن كثير، وأبي عمر ،وابن عامر، ويعقوب حيث قرأو (المخلِصين)بكسر اللام.انظر السبعة( ص:348)، والتذكرة( 2/)379)، والمفتاح( 2/627)، والمختار( 1/418)، والنشر( 2/221)فدلت الآية بهذه القراءة على أن عصمة الله لنبيه يوسف من الفاحشة بسبب إخلاصه له.
قال الإمام الطبري
:"(إنه من عبادنا المخلصين) بكسر اللام بمعنى إن يوسف من عبادنا الذين أخلصوا توحيدنا وعبادتنا فلم يشركوا بنا شيئاً ولم يعبدوا شيئاً غيرنا".تفسير الطبري (16 / 50) .
الترهيب من الرياء:

وإن من أعظم الزواجر عن مراءة الناس ،وانصراف القلوب إليهم بالعمل ما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة t قال: « قال رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم،:" إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ » ([1]).
فليتأمل العاقل كيف أن أصحاب هؤلاء الأعمال العظيمة ،وهي العلم ،والإنفاق والجهاد هم أول من تسعر بهم النار لفقدهم الإخلاص في أعمالهم ،وإرادتهم بها ثناء الناس ومدحهم ،وإن مما ينبه عليه في هذا المقام ما جاء في الحديث أنه يقال لهؤلاء الثلاثة (وقد قيل) أي: قيل لكم ما أرتم من الثناء بالعلم والشجاعة والجود وهذا مما يلفت النظر إلى أن لا يغتر العاقل بما قد يقال فيه في الدنيا ،وإنما العبرة بما علم الله من قلبه .
فأسأل الله أن يمن علينا برحمته فيهدي قلوبنا للإخلاص له ،وابتغاء مرضاته ،وأن لا يكلنا لأنفسنا طرفة عين ،ولا أقل من ذلك.


وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



([1] ) صحيح مسلم (3 / 1513).

   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
عدد الزوار
انت الزائر :126094
[يتصفح الموقع حالياً [ 9
الاعضاء :0الزوار :9
تفاصيل الزوار
تغريدات الشيخ
احصائيات الموقع
جميع المواد : 1277
عدد المحاضرات : 1120
عدد المقالات : 0
عدد الكتب : 19
عدد التعليقات : 0
عدد المشاركات : 0
موايت الصلاة