WOWSlider ترجمة الشيخ

كلمة العقل وفضله

عرض المادة
كلمة العقل وفضله
1836 زائر
18-02-2015
الشيخ إبراهيم الرحيلي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.....
فقد مضى على افتتاح الموقع بحمد الله وتوفيقه سنة كاملة ، وها نحن في بداية السنة الثانية من افتتاح هذا الموقع الذي أسأل الله عز وجل أن يكون خالصاً لوجهه نافعاً للمسلمين ، معيناً لهم على التفقه في الدين.
وكنت قد خصصت الكلمات الشهرية في السنة الماضية عن الأحكام المتعلقة بكل شهر من شهور السنة الهجرية ،وأما في هذه السنة فستكون الكلمات متنوعة في موضوعاتها فسنتنقل في هذه الكلمات بين موضوعات مهمة مما يحتاج إليه المسلمون في حياتهم مما تعلق به مصالح دينهم ودنياهم ، وكلمتنا في هذا الشهر عن العقل ، وفضله .
تعريف العقل في اللغة:

العقل في اللغة يرجع إلى مادة: (عقل) وهي بمعنى الحبس والمنع ، قال ابن فارس: "(العين والقاف واللام) أصل واحد منقاس مطرد، يدل عظمه على حبسة في الشيء أو ما يقارب الحبسة. من ذلك العقل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل([1]).
وقيل: إنما اشتق العقل اشتقاقاً لفظياً من عقال البعير ، قال الجرجاني: "العقل مأخوذ من عقال البعير لأنه يمنع ذوي العقول من العدول عن سواء السبيل"([2]).
تعريفه في الاصطلاح:

اختلف العلماء في حد العقل في الاصطلاح:
فقيل العقل: نقيض الجهل.
وقيل العَقْلُ: الحِجْرُ والنهى([3]).
وقيل العقل: ضد الحمق.
وقيل: "العقل هو التمييز الذي به يتميز الإنسان من سائر الحيوان"([4]).
وقال ابن حبان :"العقل اسم يقع على المعرفة بسلوك الصواب ، والعلم باجتناب الخطأ"([5]).
وقيل غير ذلك.
وهذه المعاني متقاربة ؛ فمن فسره بالتمييز باعتبار اختصاصه بذلك إذ هو آلة التمييز بين الأشياء ، ومن فسره بالحجر والنهى ؛ فباعتبار أثره إذ العقل يحجر عن السفه وينهى عن خوارم المروءة ، ومن فسره بالمعرفة واجتناب الخطأ ؛ هذا باعتبار متعلقة ، ومن فسره بأنه ضد الجهل أو الحمق؛ فباعتبار ما يضاده .
الأدلة على فضله:

أثنى الله على العقل في كتابه في أكثر من موطن ومن ذلك قوله تعالى: ]كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى[ ([6])
وقوله تعالى: ]هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ[ ([7])
وقوله عز وجل: ] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ[ ([8])
وقال تعالى: ] أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[ ([9])
وقال تعالى: ]إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[ ([10])
ففي هذه الآيات يخبر الله عز وجل عن بعض الحكم العظيمة مما يتعلق بالخلق والتكوين أو الشرع والدين، ثم يخبر أن في هذه الأمور علامات ودلالات لذوي العقول ،وهذا مما يدل على فضل العقل إذ أخبر الله عز وجل أن هذه الآيات والحكم إنما ينتفع بها ويدرك حكمتها أهل العقول.
ومن السنة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: «يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار» فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» ، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها»([11]).
فذكر النبي صلى الله عليه وسلم نقص النساء عن الرجال في العقل والدين ، والنقص لا يكون إلا في القصور عن صفات الكمال ، ولهذا فضل الرجال عن النساء بكمال العقل والدين فكانت الأعمال العظيمة كالإمامة العظمى والولايات العامة والقضاء والجهاد مما يسند للرجال لقوة العقول والأبدان على ذلك .
كما أثنى السلف على العقل وكثرت أقوالهم في مدحه ، والثناء على أهله ، فمن ذلك قول عطاء بْن أَبِي رباح رضي الله عنه وقد سئل: "يا أبا مُحَمَّد مَا أفضل مَا أعطي العبد، قَالَ" العقل عَن الله"([12]).
وقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ t لِرَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ عَمَّرَ دَهْرًا :"أَخْبِرْنِي بِأَحْسَنِ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ قَالَ: عَقْلٌ طُلِبَ بِهِ مُرُوءَةٌ مَعَ تَقْوَى اللَّهِ وَطَلَبِ الآخِرَةِ"([13]).
ويقول حاتم ابن إِسْمَاعِيل: " مَا استودع اللَّه عقلاً عبداً إلا استنقذه به يوماً"([14]).
وقال ابن حبان: " العقل دواء القلوب ومطية المجتهدين وبذر حراثة الآخرة وتاج المؤمن في الدنيا وعدته في وقوع النوائب ومن عدم العقل لم يزده السلطان عزاً ولا المال يرفعه قدراً ولا عقل لمن أغفله عَن أخراه مَا يجد من لذة دنياه فكما أن أشد الزّمانة الجهل كذلك أشد الفاقة عدم العقل".
وقال الشاعر:
إذا تم عقل المرء تمت أموره ..... وتمت أياديه وتم بناوه

فإن لم يكن عقل تبين نقصه ... ولو كان ذا مال كثيرا عطاؤه
.([15])
وقال الحسن: " مَا تم دين عَبْد قط حتى يتم عقله".
وقيل لابن المبارك: "ما خير ما أعطي الرجل؟ قال: غريزة عقل. قيل : فإن لم يكن؟قال: أدب حسن ، قيل: فإن لم يكن ؟ قال: صمت طويل، قيل: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل"([16]).
وقال ابن حبان: "أفضل ذوي العقول منزلة أدومهم لنفسه محاسبة وأقلهم عنها فترة" ([17]).
علامات العقل:

للعقل علامات يعرف بها ،ومن هذه العلامات ما ذكره ابن حبان في قوله:" والعاقل يحسم الداء قبل أن يبتلى به ويدفع الأمر قبل أن يقع فيه فإذا وقع فيه رَضِيَ وصبر والعاقل لا يخيف أحدا أبدا مَا استطاع ولا يقيم على خوف وهو يجد منه مذهبا وإذا خاف على نفسه الهوان طابت نفسه عما يملك من الطارف والتالد مع لزوم العفاف إذ هو قطب شعب العقل"([18]).
وقال أيضًا:" والعاقل لا يبتدىء الكلام إلا أن يسأل ولا يكثر التماري إلا عند القبول ولا يسرع الجواب إلا عند التثبت .
والعاقل لا يستحقر أحدا لأن من استحقر السلطان أفسد دنياه ومن استحقر الأتقياء أهلك دينه ومن استحقر الإخوان أفنى مروءته ومن استحقر العام أذهب صيانته 0

والعاقل لا يخفى عَلَيْهِ عيب نفسه لأن من خفي عَلَيْهِ عيب نفسه خفيت عَلَيْهِ محاسن غيره وإن من أشد العقوبة للمرء أن يخفى عَلَيْهِ عيبه لأنه ليس بمقلع عَن عيبه من لم يعرفه وليس بنائل محاسن الناس من لم يعرفها وما أنفع التجارب للمبتدى
"([19])0
مدار العقل:

ومدار العقل على مرتبتين:
الأولى
: التمييز بين الأشياء الحسنة والقبيحة.
الثانية
: اختيار الـأحسن.
مراتب العقل، ودرجاته:

وللعقل درجات ومراتب ، فأول درجاته: يسمى صاحبه أديباً ثم أريباً ثم لبيباً ثم عاقلاً ذكره ابن حبان([20]).
أنواع العقل:

والعقل على قسمين ، ولهذا قال عليt: العقل عقلان: مطبوع ومسموع، فلا ينفع مطبوع إذا لم يكن مسموعا، كما لا ينفع ضوء الشمس وضوء العين ممنوع. وإلى الأول أشار النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلق الله خلقاً أكرم من العقل، وإلى الثاني أشار بقوله: ما كسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرده عن ردى. وهذا العقل هو المعني بقوله عز وجل: ]وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ[ ([21])،وكل موضع ذم الله الكفار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأول، كقوله تعالى: ]صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ[ ([22])،ونحو ذلك من الآيات([23]).
وقال ابن حبان: "العقل نوعان مطبوع ومسموع ، فالمطبوع منهما كالأرض والمسموع كالبذر والماء . ولا سبيل للعقل المطبوع أن يخلص له عمل محصول دون أن يرد عليه العقل المسموع فينبهه من رقدته ، ويطلقه من مكامنه .
عقل كل شيء بحسبه:

المتأمل لحقيقة العقل يدرك أن مداره كما تقدم على التمييز ثم اختيار الأحسن ، وقد شرف الله الإنسان فجعل عقله في باطنه ، ولما كانت الدواب ليس لها هذا التمييز جعل لها العقال في القوائم ليعقلها عن الاعتداء ، فإذا قل عقل الإنسان أو ضعف بحيث لا يميز بين ما ينفعه ويضره حجر عليه ومنع من التصرف ، فإذا فقد عقله بالكلية وخشي على الناس من بطشه وطيشه قد يعقل كما تعقل الدواب في يديه أو قدميه فتنبه لهذه النكتة اللطيفة ، وهي من نتاج التأمل والتدبر ولله الحمد والمنة.
الفرق بين العقل والحكمة:

الفرق بين العقل والحكمة أن العقل مرتبة من مراتب الحكمة لأن الحكمة تبنى على مرتبتين:
المرتبة الأولى
: التمييز بين الأشياء
والثانية
: تنزيل الأحكام بحسب اختلاف الأحوال .
فالعقل الذي هو التمييز هو حقيقة المرتبة الأولى من مراتب الحكمة ،ولهذا فلا يكون الحكيم حكيماً حتى يكون عاقلاً مميزاً بين الأحوال، ثم إذا وضع الأشياء في مواضعها ونزل الأحكام بحسب تلك المفارقات يكون حكيما ، ولكن قد يطلق العقل ويراد به معنى الحكمة ، وتطلق الحكمة على معنى العقل ، فكأن اللفظين كالألفاظ التي يقال فيها إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، فإذا اجتمعا في الذكر، كأن يقال فلان عاقل حكيم فيراد بالعقل التمييز وبالحكمة وضع الأشياء في موضعها ، وإذا ذكر العقل منفرداً في مقام الثناء على صاحبه فهو تضمن معنى الحكمة ،وكذا إذا ذكرت الحكمة منفردة فدخول العقل في معناها ظاهر بلا ريب.
هل العقل غريزي أم مكتسب ؟

الصواب الذي عليه أكثر المحققين أن العقل منه ما هو غريزي فطري ، ومنه ما هو مكتسب.
فالغريزي هو ما جبل عليه الإنسان ، وبه يميز بين الحقائق الظاهرة ، فإذا فقده أصبح مجنوناً غير مميز ،وهذا العقل هو مناط التكليف وهو الذي جاء به الحديث" رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيق"([24])
والعقل المكتسب هو الذي ينال بالتعلم والتجارب .
قال بعض الحكماء:" التجربة مرآة العقل،والغرة ثمرة الجهل" ويقصد بالغرة، الغفلة والانخداع"
قال الشاعر:
ألم تر أن العقل زين لأهله ولكن تمام العقل طول التجارب
([25])
مواقف الناس من العقل:

الناس في العقل طرفان ووسط ، فقد غلا في العقل أقوام حتى جعلوه أصل العلم ويجعلون الوحي تابعاً له ، فإذا تعارض العقل والنقل قدموا العقل ، وهذا مسلك المتكلمين.
وذهب آخرون إلى إهمال العقل بل أخذوا يذمونه ويعيبونه ويرون أن الأحوال العالية والمقامات الرفيعة لا تحصل إلا مع عدمه ، فمدحوا السكر والجنون والوله ، ولأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز وهذا مسلك طوائف من المتصوفة .
وتوسط أهل السنة بين الفريقين فلم يعطلوا العقل تعطيل المتصوفة ،ولم يبالغوا في تعظيمه مبالغة المتكلمة ، وإنما أعطوه حقه ووظفوه فيما خلقه الله له ، وللعقل وظيفتان صحيحتان وهما التدبر والتفكر ، فالتدبر لآيات الله الشرعية وهي كلامه والتفكر لآياته الكونية وهي مخلوقاته([26]).
خـاتمة:

فهذه بعض اللمحات عن العقل وفضله والتعريف به ، ذكرتها ليتعلمها ويتفقه فيها من طلب هذه المنزلة ، وهي منزلة العقل الناضج الذي ينتفع به صاحبه في دينه ودنياه فيرتفع بالعقل عند ربه إذ العقل آلة الفهم وبه يعرف العاقل ربه ودينه الذي شرعه الله له بالتدبر في الآيات الشرعية والتفكر في الآيات الكونية، كما ينال العاقل بعقله توقير العقلاء وعلو المنزلة عندهم.
ونحن في زمن قلت فيه العناية بالعقل والتعقل حتى ترى السفه والطيش قد عم كثيراً من الناس فلا يحسنون التصرف في دين أو دنيا، ولكن لا يرى هذا ولا يلمسه من حياة الناس إلا من رزقه الله عقلاً وإدراكاً يميز به بين الناس ويبصر به هذا التفاوت في الأحوال



([1] ) مقاييس اللغة (4 / 69).
([2] ) التعريفات (ص: 152).
([3] ) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (5 / 1769).
([4] ) لسان العرب (11 / 459).
([5] ) روضة العقلاء(ص:17).
([6] ) طه: 54.
([7] ) الفجر: 5.
([8] ) آل عمران : 190.
([9] ) الحج: 46.
([10] ) النحل: 67.
([11] ) صحيح البخاري (1 / 68).
([12] ) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 18).
([13] ) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 19).
([14] ) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 18).
([15] ) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 19).
([16] ) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 17).
([17] ) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 19).
([18] ) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 20) .
([19] ) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 22).
([20] ) انظر: روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص:16).
([21] ) العنكبوت:43.
([22] ) البقرة:171.
([23] ) تاج العروس (30 / 18).
([24] ) أخرجه النسائي في سننه، كتاب: الطلاق، باب: من لا يقع طلاقه من الأزواج، (6/156)، برقم(3432)،و ابن ماجه في سننه، كتاب: الطلاق، باب: طلاق المعتوه والصبي والنائم، (3/198)، برقم(2041)،و قال الألباني: "صحيح". صحيح سنن ابن ماجه (1/347).
([25] ) انظر: أدب الدنيا والدين الماوردي(ص:12-13).
([26] ) انظر: مجموع الفتاوى (3/303).

   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المادة السابقة
المواد المتشابهة المادة التالية
عدد الزوار
انت الزائر :126094
[يتصفح الموقع حالياً [ 9
الاعضاء :0الزوار :9
تفاصيل الزوار
تغريدات الشيخ
احصائيات الموقع
جميع المواد : 1277
عدد المحاضرات : 1120
عدد المقالات : 0
عدد الكتب : 19
عدد التعليقات : 0
عدد المشاركات : 0
موايت الصلاة